المغترب الناجح 
نشر في : 10 سبتمبر, 2022 04:46 مساءً

لاتزال قضية الاغتراب تفرض نفسها علينا نظراً لما شاهدنا من فوارق...
فهناك من جلس فى الغربة ينتظر الفرج من الله وكأن الغربة بلاء ينتظر الشفاء منه...
وهناك من حاول تطوير نفسه وعمل على أن الغربة فرصة يمكن الاستفادة منها ..فتعلم واجتهد واخذ بأسباب النجاح...لذا رأيت إلقاء الضوء على بعض الأمور المتعلقة بقضية الاغتراب .

📍أولا: لست وحدك مغترباً فى الخارج ..ففى الداخل أيضا مغتربون..
عم ليست الغربة لمن خرج من وطنه فقط، ففى الداخل ايضا من يعانى الغربة فالخوف داخل الأوطان غربة، والفقر داخل الأوطان غربة، واليأس داخل الأوطان غربة، والفشل داخل الأوطان غربة، والظلم داخل الأوطان غربة، وصدقني الظالم الفاشل الذى لم ينجح فى شئ والذى ينتقل من فشل إلى فشل انظر إليه وهو يتحدث قلقا متوترا، ستجد انه فى حالة اغتراب ايضا وهذا ما أكدته وتحدثت عنه دائرة المعارف الوطنية فى معنى الاغتراب فقالت( إن اهم المعانى الشائعة عن الاغتراب هى انعدام القدرة والعجز وفقدان المعايير والعزلة ).. ( وإن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون).

📍ثانيا: لست المغترب الأول ولكن سبقك الكثير..
نعم انت لست المغترب الأول ولن تكون الاخير..فالصحابة مثلا خرجوا من مكة تركوا أموالهم..وتركوا ديارهم وتركوا أهلهم واعمالهم...فماذا فعلوا فى المدينة..انطلقوا كل فى مجاله ...فهذا فى التجارة وذاك فى العلم وكل منهم له دور يقوم به ..ولم ينسوا القضية الرئيسية التى خرجوا من أجلها ...لم يجلسوا  ينتظرون الفرج من السماء دون الأخذ بالأسباب...بل تحركوا وعملوا ونجحوا حتى عندما فتحت مكة لم يشغلهم قضية العودة إلى الديار والمكوث فيها بل تعلموا أن فى الهجرة والحركة والتنقل الخير والبركة فى الدين والدنيا..لقد حولوا قضية الغربة من مكة إلى منحة ومنهج حياة للحركة فى كل بقاع الأرض فطويت لهم الأرض ونجحوا.

📍ثالثا: مثلث النجاح فى الغربة له أضلاع ثلاثة..
اولها : استحضار النية انها هجرة لله ...
وثانيها: تطوير الذات وتعلم الجديد أو تعلم مايطور أداءك وتخصصك.. والأهم تعلم اللغة الجديدة للمكان الذى ذهبت إليه.

📍ثالثا: السعى على الرزق وتحقيق الكسب والاجتهاد فى ذلك حتى لو كان فى البداية بسيطاً ..ومع تطوير الذات وتعلم اللغة سيفتح الله لك ابواباً عديدة...( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ).

📍رابعا : اندمج فى المجتمع وحافظ على هويتك...
لاتنعزل عن المجتمع الجديد فى الغربة بل حاول أن تكون جزءاً منه..شاركهم همومهم وأفراحهم وتعرف عليهم وليكن لك منهم أصدقاء وأصحاب سيساعدك ذلك كثيراً على تطوير لغتك وفتح مجالات العمل...كل ذلك مع عدم التراجع عن قيمك ومبادئك وأخلاقك.

📍خامسا: لاتنسَ  قضيتك
وهى أنك خرجت من بلدك رافضاً للظلم...فكن عاملاً مساعداً فى جعل بلادك تعيش فى عدل وحرية ..ساهم وتعاون مع كل من يرفع قيم العدل والحرية ولاتكن وحيداً منعزلاً بل كن مشاركاً فعالاً. 


واختم بأجمل ماكتب الشافعى عن فوائد السفر والغربة:


ما في المقامِ لذي عقلٍ وذي أدب
مِنْ رَاحَة ٍ فَدعِ الأَوْطَانَ واغْتَرِبِ

سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقهُ
وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ

إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ
إِنْ سَال طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ

والأسدُ لولا فراقُ الأرض ما افترست
والسَّهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يصب

والشمس لو وقفت في الفلكِ دائمة
لَمَلَّهَا النَّاسُ مِنْ عُجْمٍ وَمِنَ عَرَب

والتَّبْرَ كالتُّرْبَ مُلْقَى في أَمَاكِنِه
والعودُ في أرضه نوعً من الحطب

فإن تغرَّب هذا عزَّ مطلبهُ
وإنْ تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كالذَّهَبِِ