صرخة مثقفين بعد الاعتداء على مسيرة فنية في رام الله.. فلسطين بدون ثقافة حتى إشعار آخر

13 يوليو, 2022 10:21 مساءً
أخبار الغد

لم تخفف أيام عيد الأضحى من حالة الغضب التي ارتسمت على وجوه الفنانين والمثقفين الفلسطينيين جراء الاعتداء الذي تعرضت له المسيرة الفنية عصر يوم الجمعة الماضي في مدينة رام الله، والتي نظّمها مسرح عشتار ضمن فعاليات المهرجان الدولي لمسرح الشباب.

ضمت المسيرة فنانين فلسطينيين وأجانب وعروضاً أدائية تفاعلية، احتفالا بنهاية مهرجان مسرح الشباب وبهجة في العيد، لكن المسيرة التي ما إن انطلقت حتى تعرضت لهجمة عنيفة وثّقتها فيديوهات وصور نشرت على المنصات الاجتماعية، مع غياب كامل للشرطة الفلسطينية.

ونشر المسرح، على صفحته على فيسبوك، فيديو، وصفه بـ “المؤلم من أجل أن يراه الجميع”، حيث عكس جانباً من “الهمجية والعنف الذي تعرضت له المسيرة الفنية”، ممن وصفهم بـ “بعض البلطجية الذين اعتدوا على الأطفال والمشاركين الأجانب والفلسطينيين، ولم يحاولوا أن يفهمونا او يسمعونا”.

وذكر المسرح أن الهجوم حدث بحجة أن الدمية التي حملها الفنانون تحتوي على ألوان مشبوهة!”.

وجاء في المنشور: “كنّا متجمعين في رام الله التحتا (منطقة في المدينة)، وبصدد الخروج في مسيرة فنية بعد أخذ التصاريح اللازمة، لكننا فوجئنا بهذه الاتهامات والهجوم العنيف علينا، ونحن نظّمنا هذه المسيرة بمناسبة العيد، حيث قمنا بصناعة دمية ملونة للإشارة الى ألوان الفرح والسرور التي يحبها الأطفال، ويتمكن الأطفال والأهل من المشاركة والمشاهدة”.

وأكد البيان أن ما حدث للفنانين أليم ومخز، من ضرب وتهجم وسرقة هواتف وألفاظ النابية وتحرش اللفظي.

وطالب أيضاً بضرورة محاسبة كل شخص تسبب بهذا الانفلات!

وأدانت المؤسسات الثقافية والفاعلون الثقافيون الاعتداء، وعبّروا عن استهجانهم، وإدانتهم لما حدث من اعتداء وحشي على المسيرة الفنية قبل تحركها في الشارع المحاذي للمحكمة العثمانية، تحت حجج وادعاءات واهية.

يأتي هذا الاعتداء السافر، بحسب بيان المؤسسات الثقافية والفنية، “ضمن سلسلة اعتداءات ممنهجة في الآونة الأخيرة، والتي تخلخل أساسات حرية العمل الثقافي، وعليه نحمّل الجهات الرسمية مسؤوليتها في حماية المؤسسات الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني كافة، ونطالب بفتح تحقيق شفاف يضمن العدالة للمعتدى عليهم ومحاسبة كل من تورط في الاعتداء على المشاركين في الفعالية الفنية، وكل من يساهم فيما يحصل من فلتان وتقويض لسيادة القانون”.

الصرخة الأكبر صدرت عن الفنان الفلسطيني خالد حوراني الذي طالب بوقف الفعاليات الثقافية والفنية حتى يتوفر الأمن والأمان لهم.

وقال حوراني إنه على ضوء الاعتداءات المتكررة على الفن والثقافة في فلسطين، والتي كان آخرها الاعتداء الآثم على المشاركين في مهرجان عشتار الدولي لمسرح الشباب في رام الله، فإننا نلحظ أنها اعتداءات باتت تتجرأ على فنانين وفرق، ويشمل ذلك الضرب والتهديد والإساءات اللفظية، من قبل مجموعة من الأفراد على المشاركين في هذه الفعاليات من فنانين وأطفال وطلاب وعائلاتهم، وعلى الضيوف الفنانين الأجانب، أصحاب المواقف السياسية الداعمة للشعب الفلسطيني.

واعتبر أن هذا الفعل المتكرر أصبح يشكل خطورة بالغة، ليس على الفن وممارسيه فقط، وإنما على صورة فلسطين العامة.

وتابع قائلا: “إنه، وما لم يتم وقف هذه الاعتداءات من قبل الجهات المختصة، وتقديم كل من يثبت تورطه إلى القضاء، فإنه على الفنانين والمؤسسات الثقافية وقف نشاطاتها إلى حين توفير الحماية للتجمعات والنشاطات الفنية والثقافية دون تمييز. وضمان أمنها، ورفع شعار فلسطين بدون ثقافة حتى إشعار آخر، وحتى يتحمل الجميع مسؤولياتهم. وفتح تحقيق فوري في هذه الحوادث المدانة والخارجة عن القانون.

وتساءل حوراني بدوره: “ما هي فلسطين بدون القصيدة والفن التشكيلي والرواية والموسيقى ومسرح والغناء والرقص والزجل والدبكة والشريط السينمائي والنشيد.. ما هي؟”.

بدوره كتب الصحفي يوسف الشايب: “أتمنى أن تخيّب وزارة الثقافة توقعاتي، وتصدر، على أقل تقدير، بياناً تدين فيه الاعتداء على فنانين فلسطينيين وأجانب.. أتمنى أن تقوم الوزارة بدورها كوزارة لكل المثقفين والمبدعين الفلسطينيين في فلسطين وكل جغرافيات العالم، وأن يقوم الوزير الروائي عاطف أبو سيف بالتأكيد على أن المعتدي، أيّاً كان انتماؤه السياسي، ارتكب فعلاً، أقل ما يوصف، بأنه مخالف للقانون، فالصمت تواطؤ في هكذا حالات، وفي هذه المرحلة التي تشهد مزيداً من تدهور الحالة الثقافية الفلسطينية، تحديداً.

وتابع: “أضم صوتي لصوت الفنان خالد حوراني بإعلانها “فلسطين بلا ثقافة حتى إشعار آخر”، وأضيف بضرورة مقاطعة كافة الفعاليات الثقافية الرسمية أولاً، حتى يتم محاسبة المعتدين”.

وأكد أن “ما حدث، وكنت شاهداً عليه، أمر أكثر من مخجل، ويبعث على الحزن وفقدان الأمل في مستقبل آمن لبلاد يفترض أنها تناضل وتدفع ثمن نضالاتها يومياً ضد الاحتلال.. أوجعتني تلك الفنانة البريطانية، حين سألت بوجع بعد الاعتداء على مشاركين في المسيرة التي لم تسر، ومن ثم الاعتداء ومحاولة فرض منع التجول من شبّان عشرينيين أو أصغر، ومحاصرة العديد ممن تواجدوا في المكان، داخل مبنى البلدية، وأنا واحد من المحاصرين، سألت الفنانة البريطانية: هل هذا هو الجيل الذي تعولون عليه لتحرير فلسطين؟! هل هذه فلسطين التي نتضامن معها ضد الاحتلال ونرفع صوتنا لأجلها في كل أنحاء العالم؟!.. ثم بكت”.

الكاتب محمود أبو هشهش بدوره نشر على حسابه الشخصي على الفيس بوك صورة إدوار معلم وعلامات الدم على وجهه، فيما ملابسه ممزقة، وكتب قائلا: هذا فنان وممثل مسرحي، ومن مؤسسي الحكواتي (المسرح الوطني الفلسطيني) في القدس، ومؤسس عشتار لإنتاج وتدريب المسرح، إلى جانب شريكته الممثلة والفنانة المسرحية إيمان عون”.

وتابع: “هذه الصورة ليست مشهداً من عمل مسرحي، وإن تبدو كذلك، وهذا الأحمر الذي يسيل على طول أنفه ليس مكياجاً فنياً، بل دمٌ. إنه مشهد حقيقي من مسرح العبث الفلسطيني الذي غدونا نشاهده كل يوم”.

واستشهد أبو هشهش بمشهد في مسرحية “الأيام الحلوة” لصمويل بكيت، الذي اقترن اسمه بمسرح العبث، للدلالة على الحالة التي وصلتها فلسطين، حيث يقول إن شخصيتيْ المسرحية؛ ويني وزوجها ويلي، تأخذان في الغرق، رويداً رويداً، في كومة تراب كبيرة، بينما لا تكف ويني عن الكلام والاحتفاء بنهاراتها قائلة: أوه، إنه يوم سعيد! حتى حينما يبلغ التراب عنقها تواصل تذكر الأيام الخوالي الجميلة، بينما ويلي بالكاد يقول أو يعلق شيئاً، وإن فعل ذلك فيكون مقتضباً جداً، بحيث لا يتعدى قوله كلمة واحدة هنا وهناك وغير ذات صلة.

أما محمود نواجعة، من حركة مقاطعة الاحتلال الإسرائيلي، فاعتبر أن الذريعة جاهزة لكل بلطجي وأزعر يريد أن يعتدي على المواطنين، وبدعم سلطوي وشعبي أيضاً، تماماً كما هو الحال في مسيرات رفع العقوبات على قطاع غزة، حيث الاتهام كان جاهزاً بأن المشاركين فيها هم أشخاص ينتمون إلى الأجندات خارجية.

وتابع نواجعة: “طيب ماذا عن مسيرات نزار بنات، حيث تعرّض المشاركون لمزيد من القمع والسحل، ليس مهماً التفاصيل، لكن الواضح أنه كان العذر جاهزاً للبلطجية، بأن هدفهم حماية البلد”.

وأضاف: “ماذا عن مسيرة ثقافية لمسرح عشتار، وهو مسرح وطني له تاريخ عريق، زعران وبلطجية، والذريعة: عمى ألوان ليس أكثر، وحتى مع غلطهم، فهناك من هو مستعد للدفاع عن غلطهم!”.

وختم أنه في المرة القادمة عندما يأتي شخص ليقوم بإنزالك من سيارتك وسط الشارع ويضربك بعنف فلا يجب عليك أن تقول لماذا؟ فالأعذار كثير، ويمكن أن يكون بعضها أن الشخص المعتدي لم يرق له مظهرك..”.

وطالب نواجعة بضرورة المحاسبة، معتبراً أنه، وفي ظل غياب القانون، وتنامي سلطة تحتكم للعادة والاعتقاد وليس للقانون، فإن فلسطين تسرع في تحوّلها لغابة، وفيها سيأكل القوي الضعيف.

أما المسرحي المقدسي عمر خليل فقال: “أعتقد أن الخمسمئة شخص الذين يهتمون بالثقافة بشكل عام في فلسطين من شمالها لجنوبها غير كافيين بأن نقول إن لدينا ثقافة، لم نحسن اختيار توجهاتنا الفنية والثقافية، ابتعدنا عن الشارع وعن مستوى الثقافة العامة، لم نتعلم دروسا من الماضي، وواضح أننا لم ننجح بالوصول إلى هذه المجموعات الشبابية التي لا تجد لنفسها مكاناً في دوائرنا الفنية الثقافية المغلقة نوعًا ما”.

وأضاف: “ماذا فعلنا بعد أن تم توقيف عرض عشتار في نابلس؟ هل عدنا إلى نابلس؟ هل بحثنا عن وسائل للوصول إلى هذه الشرائح من المجتمع وهي الأغلبية؟ أغلقنا الأبواب على أنفسنا أكثر، وذهبنا بعيدًا بأحلامنا الفنية، وصرنا أبعد عن الجمهور العام، وما زلنا نعمل للخمس مائة شخص الذين حولنا”.

وتابع خليل: “فلسطين تنفق ملايين الدولارات على التنمية والثقافة والتوعية، وما زلنا في نقطة الصفر”.

بدوره اقترح مدير فرقة نقش للدبكة الشعبية لؤي طافش إعادة تنظيم المسيرة الفنية، معتبراً أن الاستمرار هو الطريق.

فيما اعتبر الكاتب والمحلل السياسي عصمت منصور أن الخطاب المتخلف والرجعي مقرون دوماً بالجهل والعموميات وعدم الدقة والعنف.

وأضاف: “ثمة أسباب حقيقية للقلق، خاصة أن الخصوم السياسيين وجدوا ضالتهم في التحالف ضد الثقافة والفن. كلٌ لأسبابه”.

وأكد أن هناك علاقة عضوية بين التخلف والتعصب والانغلاق وبين غياب الديمقراطية والاستبداد والفساد. معتبرا أن المنظومات الفاسدة والعميلة للاستعمار والمتخلفة اجتماعيا تحارب الفن والابداع والنقد والرأي الآخر باسم الوطن والدين والقيم، وهي أبعد ما تكون عنها.

أما الباحث عز الدين عراج فاعتبر أن هناك حاجة وطنية ودوراً اجتماعياً لا بد أن يُمارس تجاه هذه المأساة المستمرة.

ووصف ما جرى أنه عبارة عن سعار الذكورة المجروحة، وهو أمر سيأخذ المجتمع الفلسطيني إلى الهاوية. في ظل ما يتضمنه من تحريض وصناعة مستمرة للخوف ورسائل تُرسل بالهراوات بأن أي شخص، حتى في حدث ترفيهي بسيط، معرض لهذا العنف.

وتابع عراج: “نحن أمام مسؤولية كبيرة، وطنية واجتماعية، لم يعد الصمت إزاءها ممكنًا. من يخشى من “الأيديولوجيا الشمولية” للحركات المثلية فعليه أن يغلق حسابه في “نتفلكس”، لكن التحريض ينتهي إلى الواقع، ويُترجم إلى هراوات وبلطجة”.

يذكر أن شبكة الفنون الأدائية الفلسطينية، والمؤسسات الثقافية في الضفة الغربية والقدس، دعت إلى اجتماع عام في مقر مسرح عشتار من أجل التباحث ونقاش سبل حماية الفنانين والفعاليات الثقافية، ومن أجل اتخاذ خطوات عملية لمواجهة الهجمة الممنهجة ضد العمل الثقافي وتقويض حريات التعبير، ومحاسبة كل المعتدين.

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات