ارتفاع مستوى الغضب الشعبي ضد سياسات النظام

تحليل: اقتصاد مصر .. دولار "يتأرجح" ونظام "يتبجح"

10 فبراير, 2024 11:41 صباحاً
I24
أخبار الغد

ألقت أزمة مصر الاقتصادية بظلالها على الحالة السياسية في البلاد، فرغم القبضة الأمنية المشددة على الحريات انتشرت مقاطع كثيرة للمواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي يشكون غلاء المعيشة وضيق ذات اليد، وهو ما ينذر بارتفاع مستوى الغضب الشعبي ضد سياسات النظام لدرجة لم يعد فيها المواطن يخشى تهديدات البطش الأمني بالاعتقال والأحكام الجائرة، فخرج معبرا عن رأيه بالصوت والصورة وقد تساوى أمامه الموت والحياة. 

مصر التي تعد أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان ذات 110 مليون نسمة، أضحت الآن بحاجة ماسة لإغاثة عاجلة مع استمرار أزمتها الاقتصادية وانخفاض قيمة عملتها المحلية بصورة غير مسبوقة، وهو ما يهدد استقراراها السياسي. 

مظاهر الغضب  

خلال الساعات الماضية تصدرت في مصر وسوم "الدولار بكام النهاردة" و"البنك المركزي" و "السيسي خربها" واجتاحت منصة «إكس» حيث يتابع المهتمون بشغف أسعار الدولار والسياسات المصرفية للدولة المصرية، وسط مخاوف من ارتفاعات جديدة في أسعار السلع الأساسية وانخفاض قيمة الجنيه، حيث يبلغ السعر الرسمي للدولار في مصر (30.9 جنيه مصري)، بينما يتراوح في السوق الموازية (السوداء) بين 65 و70 جنيهاً، بحسب وسائل إعلام محلية.  

ومن مظاهر الغضب الشعبي ما جاء في بيان "الاشتراكيون الثوريون" على موقع أكس الأثنين :" إن السلطة التي دفعت الأوضاع الاقتصادية لحافة الهاوية، وحملت الطبقات الفقيرة نتيجة تلك السياسات، لن تتحمل مسؤوليتها في توفير السلع الغذائية الأساسية للمواطنين إلا عندما تستعيد الجماهير أدواتها في مقاومة الإفقار والغلاء. 

طنطاوي يواجه السيسي 

وتحت عنوان "توقفوا عن إهدار مقومات الوطن وإفقار المواطنين" جاء بيان حزب "تيار الأمل" الذي يتزعمه المرشح الرئاسي المعارض أحمد الطنطاوي لينتقد سياسات النظام المصري الاقتصادية واتهمه بإثقال كاهل الشعب المصري بعدم توفير احتياجاته الأساسية والارتفاع الفج في أسعارها، وهي النتيجة البديهية التي تترتب على المسارات التي انتهجتها السلطة الحالية وما زالت تصر عليها بنفس الفكر، بل وذات الأشخاص الذين أفقروا الشعب المصري وأساؤوا إدارة مواردنا الكثيرة والمتنوعة، وفق البيان. 

انتقد بيان الطنطاوي أسلوب السيسي في حديثه للشعب: " في كلمة حديثة لرئيس الجمهورية، طالَب فيها الشعب المصري بتحمل الغلاء والنقص في السلع بالاعتبار من "المثال الحي" الذي يتجلى فيه (تجويع) أشقائنا في غزة، وفي كلمة سابقة له؛ نتذكر كيف طالب المصريين أيضا بتحمل الجوع والحرمان في سبيل التنمية والبناء والتقدم (المزعوم)، ونرى جميعًا كيف أن رؤية هذه السلطة للتنمية محصورة في تراكم الأبنية والمدن والقصور المشيدة في الصحاري، وغيرها من أوجه الإنفاق غير ذات العائد التنموي والتي تفتقر لدراسات الجدوى وٱراء المتخصصين، ليأتي كل ذلك على حساب المواطن وحقه في الحياة الكريمة والتعليم والعمل والعلاج، وجميعها واجبات حتمية على الدول ذات السيادة تجاه مواطنيها". 

‏السلطة العاجزة  

وفقا لرؤية تيار الأمل :"ما زالت السلطة الحالية مُصرة على حل أزمة الاقتصاد المصري بالاستمرار في الاستدانة من الخارج، أو بفرض الجباية على الداخل وذلك بزيادة الضرائب والرسوم على السادة المواطنين، مع تراجع مستوى الدخول بفعل التضخم الهائل، ورفع الدعم عن السلع الأساسية. هذا بخلاف الإصرار على بدء واستكمال مشاريع مظهرية وكمالية لا تمتّ بصِلةٍ لتنمية الإنتاج أو توفير احتياجات الشعب المصري. كل تلك السياسات والممارسات التي غابت فيها الرقابة المستقلة والحرة، أدت للانخفاض المطرد حد الانهيار لقيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، وانعدام ثقة المستثمرين المصريين والأجانب في الإدارة الحالية، خاصة مع التخفيض المستمر لمؤشر التصنيف الائتماني لمصر، وهي الأوضاع التي لن يتأتى تصحيحها ولا مواجهة تبِعاتها بإقرار قانون يمنح ضباط الجيش صلاحية الضبطية القضائية، إذ ورد ضمن تفنيدات هذا القانون؛ "السلطة القضائية في الجرائم التي تضر باحتياجات المجتمع الأساسية" و "مواجهة تهديد مقومات الدولة وحماية المنشٱت". 

للجيش دور مقدس 

وتناول بيان حزب تيار الأمل دور المؤسسة العسكرية :" نرى أنه لا يصح تحميل المؤسسة العسكرية أعباء هذه الأدوار التي يفترض أن تُختص بها بداهةً الإدارات المدنية، وأن الواجب هو عدم تشتيت جيشنا العظيم عن دوره المقدس في حماية أمن البلاد من الخطر الخارجي، خاصة في تلك الأيام التي يهددنا فيها العدو التاريخي بالاستحواذ على محور صلاح الدين (فلاديلفيا)، إضافة للخطر الداهم على حدود مصرنا من كافة الجهات، وكل ما يهدد الأمن القومي المصري وفي مقدمته الحفاظ على حقنا في مياه النيل. 

‏وتابع :" إن هذه السياسات والقوانين والإجراءات التي تحاصر المواطن المصري وتفقره وتطأ ظهره، لا تعالج العطب المُزمن والمستمر في فكر وسياسة وممارسة السلطة الحالية، بل تزيد الوضع ترديًا. بناء على ذلك: نطالب السلطة الحالية بامتلاك الشجاعة الأدبية والتحلي بالمسؤولية الوطنية تجاه كل هذا الفشل الاقتصادي والتردي الاجتماعي والتفريط في كثير من الثوابت التي تهدر وتهدد مصالح الوطن الحيوية والاستراتيجية، والبدء فورًا في تصحيح المسار الذي أدى إلى كل ذلك بشكل جذري. واختتم البيان بقوله:" توقفوا عن علاج العرَض بالمزيد من مسببات المرض، ولا تصححوا الأخطاء الكبرى بخطايا أكبر. 

مسؤولية السيسي  

ويرى محللون أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هو صاحب المسؤول الأول عن ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية من تدهور وانهيار عبر أزمة 10 سنوات عجاف من التنمية الحقيقية، تتسمان بالفساد والمحسوبية وغياب الشفافية وسوء التخطيط والإدارة وفرض رؤية الفرد الواحد على مجريات الأمور باعتباره الفاهم الوحيد "وفهمناها سليمان" اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، وتجاوز الخبراء والمتخصصين وإسناد الأمر لأهل الثقة من الجنرالات وزيادة سطوة المؤسسة العسكرية على مقدرات البلاد، والاستعانة برجال أعمال فاسدين من النظام السابق وتصديرهم للمشهد وهو ما ينذر بانفجار قادم إذا خرجت الأمور عن السيطرة.  

حل أزمة الدولار لايزال مستعصيا على السيسي نفسه، وهو ما صرح به بوضوح قبل أيام خلال لقائه مع عدد من الإعلاميين على هامش الاحتفال بعيد الشرطة "لو حليت أزمة الدولار فيكي يا مصر ولا يهمني أي حاجة تاني". وهو ما يناقض تصريحاته قبل 9 شهور وتحديدا مطلع نيسان/ أبريل الماضي، حيث وعد السيسي، بحل أزمة نقص العملة الأجنبية وأن تصبح من التاريخ، وقال: "افتكروا كويس، قريب هييجي يوم وأزمة الدولار هتبقى تاريخ". 

وخالف الدولار توقعات السيسي وأمنياته وقفز سعره لأكثر من الضعف في السوق السوداء مقابل الجنيه ، ليتجاوز الـ70 جنيها للدولار الواحد، مقابل السعر الرسمي الثابت عند 30.9 جنيها للدولار، أي بفارق نحو 136 بالمئة بين السعرين الرسمي والموازي. 

ومع السيسي أصبح مستقبل الجنيه من الماضي في ظل زيادة الطلب على الدولار من قبل الشركات والتجار والمستوردين بما فيهم الحكومة التي تشتري الدولار بكميات كبيرة من كبار تجار السوق الموازي لسداد ديونها عندما يحل موعد سداد أقساط ديونها. وتُعدّ مصر ثاني أكبر مقترض من صندوق النقد الدولي بعد الأرجنتين، وتدين لصندوق النقد الدولي بنحو 22 مليار دولار، بحسب بيانات البنك المركزي المصري. 

فشل حكومي 

وقفز دين مصر الخارجي إلى مستوى قياسي عند نحو 165 مليار دولار تقريبا، وعليها سداد نحو 29 مليار دولار مستحقة للعام 2024، فضلا عن الفجوة التمويلية البالغة نحو 8 مليارات دولار، واحتياجات البلاد السنوية من السلع والمواد الاستراتيجية 

ويؤكد بعض الخبراء أن "المبادرات والإجراءات التي قدمتها الحكومة المصرية في أعقاب أزمة الدولار والتي ظهرت بقوة منذ عام 2020، وزادت شراستها في بداية العام 2022، لم تكن بالإجراءات الكافية وكانت خيالية وغير واقعية إلى حد كبير". ومن هذه المبادارت "جلب السيارات" للمصريين المقيمين بالخارج، ومبادرة "بيع الأراضي" للأجانب، وتقنين الحكومة لعمليات بيع أصول الدولة مع وجود خلافات حولها تتعلق بالأمن القومي المصري كون دول خليجية معينة هي صاحبة النصيب الأكبر لهذه الصفقات، ورغم ذلك لم تحل المشكلة". 

مبادرة حكومية أخرى لحل أزمة نقص الدولار حظت بانتقادات شديدية هي "بيع إيرادات قناة السويس لسنوات مقبلة تحت مسمى "توريق" أصول مصر الدولارية، وهي كغيرها وفقا لخبراء الاقتصاد تعد ضمن الحلول السريعة والمبادرات غير المدروسة، ولا يوجد اقبال عليها، خاصة مع التصنيف الائتماني المنخفض لمصر أكثر من مرة، ووصول تصنيف الاقتصاد لمرحلة السلبية وسط المخاوف من التعثر عن سداد الديون". 

ويرى أستاذ الاقتصاد بجامعة أوكلاند الأمريكية، مصطفى شاهين: "أن فقدان التوازن الاقتصادي هو أحد أخطر ما تواجهه البلاد؛ حيث انصب اهتمام الحكومة المصرية منذ 2014 بقطاع الإنشاءات والتعمير والعاصمة الإدارية الجديدة والعلمين والبنية التحتية من الطرق والكباري، وتجاهلت الجانب الإنتاجي ورغم فشل الإدارة الاقتصادية أكثر من مرة إلا أنها تسير على نفس النهج الذي أوصل البلد إلى حافة الإفلاس". 

أخبار مصر

عربي ودولي