د/ عمرو هاشم ربيع .. يكتب

دلالات اقتراع المصريين في الخارج في انتخابات الرئاسة

30 نوفمبر, 2023 06:12 مساءً
عمرو هاشم ربيع
عمرو هاشم ربيع

عضو مجلس أمناء الحوار الوطني المصري

أخبار الغد

المصريون في الخارج هم من بدأ عندهم قطار الاقتراع في الانتخابات الرئاسية لانتخابات 23/2024 في السير. موعد الاقتراع سيكون 3 أيام الأول والثاني والثالث من ديسمبر 2023. رغم أن الانتخابات نتيجتها محسومة بسبب البيئة الداخلية والخارجية التي تجرى فيها، إلا أن مسألة المصريون في الخارج من الناحية الانتخابية لا زالت تثير الكثير والكثير من الجدل حول طبيعتهم، واهتماماتهم، ومدى اعتبارهم قوة تصويتية مؤثرة.

وتأثير المصريون في الخارج على الانتخابات ليس واحدا، بمعنى أنهم مختلفين وسيختلف تصويتهم بسبب أمور عديدة. فهم أولا متباينون بسبب تباين الطبقات المنتمين إليها، فبعضهم من الطبقة العليا، بينما أخرون ينتمون للطبقتين الوسطى والدنيا. وداخل تلك الطبقات هناك شرائح عليا ووسطى ودنيا. وهم ثانيا مختلفون باختلاف مهنهم، فبعضهم ينتمون إلى فئة المهنيين من الأطباء والمهندسين والمحاسبين والمدرسين وغيرهم، وبعضهم من المنتمين لفئة العمال وهم القائمين بأعمال المعمار والبناء والحراسة والصيانة وغيرهم. وهم ثالثا مختلفون باختلاف طبيعة تواجدهم سواء كان مؤقتًا ومعظم هؤلاء من العاملين في البلدان العربية، أو من هم يشكلون هجرة شبة دائمة أو هجرة دائمة وهؤلاء غالبا من العاملين في الأمريكتين واستراليا وبعض بلدان أوروبا. ورابعًا، فإن هؤلاء مختلفون باختلاف الدولة المضيفة وبيئتها السياسية والاجتماعية، ما يجعل هؤلاء متأثرون بطبيعة العملية السياسية والديمقراطية في البلد المضيف، خاصة ما يتعلق بعملية تداول السلطة وملف حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير في هذه البلدان.

لكن يبدو أن ما يجمع كل المصريين بالخارج أمرين. الأول هو شعورهم تجاه وضع بلدهم، إذ أن هناك شبة إجماع على إدراك طبيعة الحياة الاقتصادية والظروف الاجتماعية الصعبة التي يعيشها أقرنائهم بالداخل، لا سيما ظروف الغلاء والبطالة وانخفاض قيمة عملة بلدهم وأوضاع التعليم والصحة التي تعاني من مشكلات كثيرة، وكلها أمور أفضت إلى عجز كبير في الموازنة وارتفاع الدين الخارجي وعجز الميزان التجاري. وتلك المشكلات سببها عدم وجود أولويات إنفاق على المشروعات، وشره الاقتراض، والبذخ الحكومي، وتدهور مكانة القطاع الخاص في الاستثمار مقارنة باستثمارات أجهزة الدولة السيادية غير المراقب عليها من أية جهه. وإذا ما أضيف إلي كل ما سبق رؤية غالبية المصريين في الخارج لصانع القرار الاقتصادي في الداخل، والذي ينظر إلى المصريين في الخارج باعتبارهم مصدرا للتحويلات الأجنبية فحسب، لتبين كيف أن المصريين في الخارج ينظرون بعدم ارتياح للشأن المصري برمته.

الأمر الثاني الذي يجمع بين المصريين في الخارج هو إدراك معظمهم أن المناح السياسي في مصر ما زال يحتاج المزيد والمزيد من المقرطة اللازمة لتحقيق نقلة معتبرة للتداول السلمي للسلطة، وتغيير ملف وسجل مصر في مجال حقوق الإنسان. وقد تلمس مصريين بالخارج مهتمين بالشأن الانتخابي، كيف أن جهدهم راح هباء بعدما قاموا بعد معاناة بعمل توكيلات للمرشح أحمد الطنطاوي عبر سفارات مصر بعواصم البلدان المضيفة، وأن تلك التوكيلات كانت هي أكبر بكثير من حيث العدد مقارنة بمن نجح في الداخل لعمل ذات التوكيلات لذات المرشح المحتمل، ما يعنى أن مناخ التضييق وعدم نزاهة الانتخابات كان هو الحاكم حتى اليوم في أجواء العملية الانتخابية، لا سيما بعد رؤية هؤلاء بدء عملية تعقب المرشح المحتمل المذكور قضائيا، لمنعه من خوض انتخابات 2030، بتوريطه في قضية "التوكيلات الشعبية".  

كل ما سبق من ظروف جامعة ومفرقة بين المصريين في الخارج سوف تُصب في صناديق الاقتراع، والمؤكد أنه سيضاف إليها أمر أخر مهم للغاية وهو تباعد المقرات الانتخابية عن الناخب خارج مصر، ما يجعل عملية المشاركة صعبة للغاية. ففي كندا على كبر مساحتها يوجد مقران انتخابيان، وفي روسيا وهي أكبر دولة من حيث المساحة يوجد مقر واحد، وفي السعودية حيث أكبر جالية مصرية بنحو 4 مليون مصري يوجد مقران فقط.

جدير بالذكر أن الهيئة الوطنية للانتخاب ذكرت أن هذه الانتخابات ستجرى في 137 مقرًا انتخابيًا في 120 دولة، وهو ما يدل على وجود انخفاض في عدد المقرات مقارنة بانتخابات الرئاسة 2018 التى اشتملت على 139 مقرًا في 124 دولة. وهذا العدد يتحكم فيه طبيعة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وتلك البلدان، والمقرات التي يسهل توافرها وتدبيرها(السفارات والقناصل والمقرات الأخرى التي تحددها وزارة الخارجية وفقًا لما ذكرته الهيئة الوطنية للانتخابات)، وكذلك طبيعة النظم السياسية وحالة الديمقراطية في البلدان المضيفة، وأخيرا الظروف الأمنية في تلك البلدان (إلغاء مقر الخرطوم وتل أبيب في الانتخابات الحالية بسبب الظروف الداخلية).

من كل ما سبق يتوقع أن تكون نسبة المشاركة في الانتخابات للمصريين في الخارج محدودة. هنا من المهم التأكيد على الرقم الذي أوردته وزيرة الهجرة والمصريين بالخارج سها الجندي في 13يوليو2023 بشأن عدد المصريين بالخارج، حيث ذكرت أن هذا العدد يبلغ 14 مليون مصري تقريبا، ما يعني تقريبًا أن هناك ما يقرب من 8.5 مليون مسجل في قاعدة بيانات الناخبين ضمن المقيمين في الخارج.

ومقارنة بأوضاع المشاركين في سنوات انتخابات الرئاسة السابقة، يذكر أنه في انتخابات 2018، كان عدد المشاركين وفقًا للهيئة الوطنية للانتخابات وقتئذ بلغ 157060 مشارك، أما انتخابات 2014 فوفقا للجنة انتخابات الرئاسة فقد أدلي 318033 مشارك. هذا الانخفاض رغم زيادة عدد الناخبين في الخارج بين عامي 2014 و2018، يعزى إلى أمرين. الأول، مناخ الجدية في الانتخابات الأولى بعد أن تمت إزاحة جماعة الإخوان المسلمين عن السلطة عام 2013. والثاني، شكلية الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث ترشح فيها إلى جانب الرئيس المرشح عبد الفتاح السيسي مرشح واحد وكان دوبيلرا، وهذا المرشح سبق وأن أعلن نفسه أنه يؤيد الرئيس السيسي بقوة.

وهكذا، يتبين أن مشاركة المصريين في الخارج ينظر إليها دومًا على أنها ليست إلا مجرد تنفيذ لقرار قضائي اتخذه المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 20نوفمبر 2011 بحق هؤلاء في التصويت وإدراجهم في قاعدة بيانات الناخبين. وكان ذلك الأمر في هذا الوقت مكسبًا كبيرًا، يضاف لفرز الأصوات في مقرات الاقتراع الفرعية، وإبعاد وزارة الداخلية عن فنيات العملية الانتخابية، واعتبار قاعدة بيانات الرقم القومي أساسًا لسجلات الناخبين. ورغم أن عدد المصريين في الخارج الذي يشكل نحو ثمن عدد الناخبين المصريين، وهو قوة كبيرة وضاغطة إذا ما أحسن استخدامها، إلا أن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية سابق الإشارة إليها، جعلت من هؤلاء كما للكثيرين في الداخل مجرد أرقام لن تترجم على الأرض في ساحة الانتخابات.

لذلك كله يتوقع أن يكون اقتراع المصريين في الخارج مؤشرًا في بعض الحالات عن وضع الانتخابات في الداخل، ولا علاقة لها البتة في حالات أخرى بتلك الانتخابات.

فبعد المقرات عقبة كؤد أمام الجميع تقريبا للمشاركة، خاصة بعد إلغاء التصويت البريدي عقب انتخابات الرئاسة 2012. والعمال ومن هم منتمون للطبقة الدنيا والشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة، والذين يحشدون في الداخل حشدًا بعديد وسائل الإغراء أمام مقرات الانتخاب لن يشارك أغلبهم في انتخابات الخارج مقارنة بالمهنيين، إذ أن الأخرين هم أكثر ثقافة وعلمًا ومن ثم رغبة في المشاركة والإدلاء بالصوت. والمهاجرين بشكل نهائي سيكونوا أكثر ميلا لعدم المشاركة مقارنة بالمهاجر المؤقت أو شبة المؤقت، إذ أن المهاجر المستقر بشكل كامل خارج البلاد، انقطعت الصلة بينه وبين الداخل عكس المقيم بشكل مؤقت. والمسيحيون في الخارج سيكونوا أميل للمشاركة بشكل نسبي عن إخوانهم المسلمين، بسبب اعتقادهم الراسخ أن الرئيس السيسي المقاوم بقوة لعودة الإخوان مهم بقاؤه في السلطة.

كل تلك الأمور على الأرجح ستكون مهمة إبان رصد عملية المشاركة للمصريين في الخارج والداخل، وستوضح الأيام القليلة القادمة بعضًا من تلك الأمور.                            

أخبار مصر

عربي ودولي