د. محمد عماد صابر .. يكتب

حركة التغيير بين التأمل الذهني والموقف العملي

30 مارس, 2023 11:09 صباحاً
محمد عماد صابر
محمد عماد صابر

الكاتب والسياسي المصري والبرلماني السابق

أخبار الغد

إن الحركة قد تسبق الفكرة، والميدان هو البيئة الحقيقية الحاضنة لحركة التغيير، أما عالم التجريد والتأمل الذهني والمراقبة عن بعد، فهو مُوهم ويُغري بادعاء الفهم!.. وذلك لأن قدرة الأفكار على التغيير محدودة، لكن صناعة الموقف العملي هي الاختبار الحقيقي، وفي اللحظة التاريخية يعجز العقل التجريدي عن إمداد حركة التغيير بالممكن والتقدير العملي، حتى إذا حوصر الشارع وذبحت الحريات، سلطوا ألسنة حدادا على الشارع ورموه بكل نقيصة، وهم أعجز عن تدبير موقف عملي.

إن التفكير من خارج الصندوق، والخطاب البسيط الواضح المؤثر، وتجاوز الطبقة السياسية الهرمة المُثقلة بالخلافات والمعارك الجانبية، والتلاحم في ساحات النضال الميداني، وإعادة النظر في تدبير شؤون التدافع السياسي ومعركة التحرير، وجمع الناس على قضية واحدة، قد تصنع حالة جديدة من المقاومة والدفاع السياسي.

إن عقل الانسان ينمو بحسب ما يُطلب منه، فإن أشغلته بالتوافه والجزئيات والهوامش، رأيت منه ضحالة وهزالا، وإن أتعبته في معالي الأمور والبحث عن حلَ للمعضلات وفنون الممكن، أثمر أفكارا تُنير درب الحائرين.

إن حروب المستقبل تعتمد كثيرا على الذكاء الاصطناعي، ومعارك التدافع السياسي في بلداننا تعتمد كثيرا على الذكاء والمرونة وعقول أنضج وأقدر على إدارة الصراعات، أما التصلب التنظيمي والتحجر السياسي وإرث الماضي فهم أكثر ما يُثقل كاهل التجارب.. والميدان هو المحك والاختبار، لا تغني عنه معرفة ولا قراءة.

ربما خسرنا معارك وكسب الخصم جولات، وأحد الأسباب هو افتقادنا للذكاء في إدارة معاركنا السياسية، والذكاء هنا ليس مرتبطا بحسن التدبير والتقدير وفقط، بل أيضا بالمرونة وسرعة التحرك والتخفف من قيود وإرث الماضي ولوازمه، وتجاوز الأنماط الذهنية المتصلبة.

لقد رأينا تجارب فاشلة ومكلفة ومستنزفة غاب عنها العقل والذكاء الإستراتيجي فكانت الخسائر هائلة، في مصر والسودان، والجزائر في الثمانينات والتسعينات، ومع ثورات الربيع العربي وتونس في الفترة الأخيرة.

ربما أمكن القول إن أكثر تجارب التغيير كان ينقصها الذكاء وتفتقد للحس الإستراتيجي، ويستحق هذا الذكاء الفهم والمعرفة وإدراكا لحقائق الصراع واعتدالا في الموقف ووعيا بما يدور حولنا وتقديرا للظروف، وهذا غاب بعضه أو كثير منه عن رواد التغيير وقادته فيما مضى، ربما نستثني من هؤلاء قلة.

لا ينبغي أن يستهوينا كثيرا بريق الخبرة و"حكمة" الشيوخ، ولا نغرق في التأمل الذهني، وما مضى فات وانقضى، ولا تصدَنا حسابات المترددين، ولنصنع تجربتنا بما هو مُتاح لنا، والأهم هو قدر من البراعة والذكاء وعقل فوَار في إدارة التدافع السياسي، بعيدا عن الاستعراض ومنطق التحدي والمغالبة.

إن إلزام العقول الفوارة القلقة بتجربة بعينها وحشرهم في صندوق مغلق، هذا لا يطيقونه ومن لزوم ما لا يلزم.. كررنا التجارب الخاطئة المستنزفة، لأننا نتعامل مع الاجتهادات المخالفة من خارج الصندوق بحساسية شديدة، ومن سلك طريقا يلتمس فيه الرشد السياسي أسقطناه أو حاصرناه أو طاردناه.

وهكذا أغلق التقليديون وأصحاب العقل السياسي الوعظي الباب على تجارب تنبض حيوية، في تونس ما بعد الثورة، وسوريا الثورة، والسودان ومصر وغيرها، بدعوى الوفاء والثبات، وهم بهذا حرموا الأمة من اجتهادات ومغامرات وتجارب أكثر جرأة وعمقا وانفتاحا.

إن مخاطبة أنظمة الاستبداد والفساد والتبعية باللوازم "واللابدات" لابد وينبغي...، هذا الخطاب لا أثر له، فالأمر لا يستقيم بالمناشدات والنداءات، هذه معركة سياسية كبرى يخوضها الأحرار والشرفاء ضد الاستبداد الممتد، والتغيير عملية معقدة وصعبة ومسارها تراكمي تدريجي، وحركة التغيير تتطلب بناء قوة سياسية بعقل جديد ومستوعب ومرن.

أخبار مصر

عربي ودولي