الجانية.. ركن ثقافي فلسطيني في قلب ساوباولو البرازيلية

16 مارس, 2023 09:27 صباحاً
أخبار الغد

 في العام 2016 افتتح في ساوباولو مطعم صغير يحمل اسم "الجانية"، و"الجانية" هي قرية فلسطينية في الضفة الغربية احتلت منذ العام 1967.

كان هذا المطعم يتميز عن غيره بالأعلام الفلسطينية والكوفيات والموسيقى والطعام العربي الفلسطيني، وإذا ما دقّق الزائر قليلا فسيكتشف أن أغلب رواد المكان ينتسبون للأحزاب اليسارية البرازيلية، وأن أغلب العاملين فيه فلسطينيون لا يتقنون اللغة البرتغالية بشكل جيد، لأنهم جاؤوا حديثا من العالم العربي.

بعد سنوات قليلة، تحوّل المكان إلى معلم من المعالم الثقافية العربية في ساوباولو، وقد تطوّرت نشاطاته لتأخذ أبعادا سياسية وثقافية، ثم تحول إلى مركز ضخم للنشاطات الفلسطينية والبرازيلية على حد سواء.

مبادرة ثقافية

ولمعرفة كيف تأسس مطعم "الجانية" وكيف كانت انطلاقته، توجّهت الجزيرة نت إلى مالكه ومؤسسه حسن ظريف، وهو فلسطيني من مواليد البرازيل بعد احتلال الضفة الغربية وغزة في العام 1967.

يقول ظريف إنه مشغول بالهم السياس منذ سن مبكّر، ويضيف: أسسنا هنا مجموعة عمل أسميناها "كل فلسطين"، وكنا نعلم أن هنالك مشاكل كثيرة سيواجهها اللاجئون الفلسطينيون القادمون من سوريا بعد العام 2011، خاصة مسألتي السكن والعمل، وهو ما اضطرنا للاستحواذ على إحدى البنايات المهجورة وسط ساوباولو، وقمنا بتجميع اللاجئين الفلسطينيين الذين وصلوا حديثا فيها بعد إصلاحها.

وتابع ظريف "الخطوة الثانية، كان علينا أن نؤمّن لهم عملا، وهذا ما دفعني للمبادرة بافتتاح هذا المكان. كان لدي حلم منذ زمن أن أستطيع تجميع اليسار البرازيلي من جهة، والناشطين الفلسطينيين من جهة أخرى في مكان واحد، وهذا ما كان يحدث سابقا في بيتي، لكنه اليوم أخذ شكلاً آخر، وحققنا هدفين، جمع اليسار وتأمين العمل لعدد لا بأس به من اللاجئين، ورويدا رويداً أخذ هذا المكان منحى آخر ذا بعد ثقافي يقدّم قضايانا للناس بأشكال مختلفة، سواء عبر اللوحات الفنية التي تقدّم هنا، أو عبر الندوات والمحاضرات والعروض السينمائية".

وأردف "في الحقيقة كان هدفنا دعم اللاجئين والقضية الفلسطينية، لكن أدركنا فيما بعد أنه لا يمكن الفصل بين قضيتنا وبين الواقع البرازيلي الذي إما أن يكون داعما وإما معاديا".

حضور متنوع

وحول مدى تشابك العلاقات بين عدة قضايا داخل هذا المكان، يقول حسن ظريف إنه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وصل إلى البرازيل 25 نائبا أوروبيا لمراقبة الانتخابات، وقد حرصوا على متابعة المناظرات قبل الانتخابات بيومين بين مرشحي الرئاسة لولا دا سيلفا وبولسونارو من هنا من "الجانية".

ويتابع "هنالك الكثير من مرشحي الأحزاب اليسارية البرازيلية إلى البرلمان أو إلى المجالس المحلية أطلقوا حملاتهم الانتخابية من هنا أيضا، وهذا كان مصدر فخر لنا. كنا نفتتح مركزنا هذا على مدار الساعة في فترات الانتخابات والأحداث الكبرى في البرازيل".

ويقول ظريف إن هنالك الكثير من أفراد اليسار البرازيلي الذين استطاعوا أن يبلوروا رؤية متوازنة للقضية الفلسطينية وللقضايا العربية من خلال متابعتهم للفعاليات التي ينظّمها مطعم "الجانية" بشكل مستمر، ويستطرد "في هذا المجال كنا حريصين طوال السنوات الماضية على تقديم عروض تعالج قضايا سياسية وثقافية تتعلق بفلسطين، وبعضها يتعلّق بالبرازيل، كل يوم أحد وثلاثاء على شاشة كبيرة في القاعة الرئيسية".

برازيليون وعرب

وحول طبيعة النشاطات التي ينظّمها "الجانية"، يقول بلال جابر -وهو مدير المطعم- "لدينا العديد من النشاطات التي تخص العرب والبرازيليين كدورات تعليم اللغتين العربية والبرتغالية، ودورات لتعليم بعض الفنون التراثية الفلسطينية، وتاريخ فلسطين والتعريف بقضيتها، إضافة لبعض الدورات في مجال الفلسفة، وأخرى عن تاريخ ظهور قوى اليمين في أميركا اللاتينية. بعض هذه الدورات كان يستمر لحوالي شهرين".

ويضيف "نقدم أيضا عروضا موسيقية متنوعة ومن حضارات مختلفة، منها الموسيقى العربية والغربية والأفريقية، بشكل شبه يومي من خلال استضافة فرق موسيقية محلية".

ويستطرد بلال "لا تنحصر النشاطات بداخل هذا المطعم، إذ من أمام الجانية انطلقت العديد من المظاهرات الداعمة سواء لفلسطين أو للبرازيل أو حتى لقضايا عادلة في أماكن أخرى من العالم، فأغلب اجتماعات التنسيق للنشاطات المتعلقة بفلسطين تُعقد هنا، وأغلب العاملين والموظفين في مؤسستنا هذه يشاركون بكل هذه النشاطات، وهذا ما استفز بعض المجموعات اليمينية التي هاجمت المكان أكثر من مرة تحديدا في فترة حكم الرئيس السابق جايير بولسونارو".

ويردف أنه تم استخدام قنابل الغاز والزجاجات الفارغة في إحدى هذه الهجمات. "هذا بالطبع لم يؤد إلى النتائج التي كان يريدها من يقفون وراء هذا الهجوم، لأن هنالك حملة تضامن ضخمة مع الجانية بدأت منذ اليوم التالي للاعتداء، سواء من خلال وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي، أو حتى بالحضور شخصيا للتعبير عن التضامن، مما ساهم في اجتذاب فئات جديدة من الشباب البرازيليين الذين لم نكن على تواصل معهم من قبل".

وحول أهم الضيوف الذين زاروا الجانية، يقول بلال "استضفنا العديد من الناشطين الفلسطينيين والعرب والأجانب المتضامنين مع فلسطين، والذين زاروا البرازيل للمشاركة في مؤتمرات أو نشاطات، وكنا نحرص دائما على تقديمهم للمجتمع البرازيلي وتعريفهم بهم، وهذا بدوره ساهم في شهرة هذا المكان، إذ إن أغلب الناس في البرازيل أو في أميركا اللاتينية أو حتى خارجها، يعرفوننا بشكل جيد، وبعضهم يحرص على التواصل الدائم معنا، كما يتابعوننا عبر صفحاتنا على مواقع التواصل الاجتماعي. لقد زارتنا هنا الرئيسة السابقة للبرازيل ديلما روسيف والعديد من الوزراء والنواب اليساريين".

ويقول مالك المطعم "من المثقفين العرب أو المهتمين بالقضية الفلسطينية، تشرفنا باستضافة حفل توقيع كتاب "التطهير العرقي في فلسطين" بنسخته البرتغالية للمفكر إيلان بابيه، ورسام الكاريكاتير البرازيلي المتضامن مع فلسطين كارلوس لاتوف، والمخرج الفلسطيني إيليا سليمان، والعديد من المثقفين الآخرين عربا وبرازيليين وأجانب".

ولكن هل يقدم مطعم الجانية الطعام الفلسطيني لرواده؟ يجيب نور السيد، وهو أحد العاملين في الجانية، "بالتأكيد، كل الأطعمة التي تقدّم هنا هي أطعمة فلسطينية تمثل جزءا من ثقافتنا، وهو ما ينال استحسان رواد المكان، كما أن لدينا ركنا لبيع الألبسة والأزياء الفلسطينية، التي تلقى إقبالاً كبيرا من العديد من المهتمين البرازيليين".

جسور تواصل

الجزيرة نت، وأثناء إعداد هذا التقرير، قابلت زهير سعيد، وهو طالب فلسطيني جاء من سوريا منذ سنوات قليلة ماضية، كان في المكان للتحضير لحفل تخرجه من كلية إدارة الأعمال في جامعة ساوباولو، وقد توجهت له بالسؤال عن سبب اختياره الجانية للاحتفال.

وقال زهير "هذا المكان يعبّر عن كل ما هو فلسطيني في هذه المدينة بالنسبة لي. في الواقع، أشعر هنا أنني في بيتي بين أهلي، كما أنني أزور هذا المكان بشكل دائم وأعرف كل رواده وكل العاملين فيه، وهذا سبب كاف لاختياره مكانا للاحتفال".

وبسؤالهم عما هو أكثر ما يفخر به مؤسسو مطعم الجانية، يجيب مالك المطعم حسن ظريف "من الأشياء التي نفتخر بها على مدى السبعة أعوام الماضية استضافتنا لحفلات توقيع 190 كتابا من دول مختلفة كإسبانيا والهند وتشيلي والأرجنتين، بالإضافة طبعا لفلسطين وبعض الدول العربية".

ويتابع "نحن نحاول الآن أن نبني جسور التواصل مع الشباب الفلسطينيين الذين وصلوا من العراق وسوريا وغيرهما، لنعمل معا على بناء رؤية موحّدة، فأحد أهدافنا الأساسية الآن كتجمع فلسطيني يتحلّق حول الجانية هو أن نواجه اللوبي الصهيوني داخل الحكومة ومراكز القرار في البرازيل".

ويختم ظريف "أكثر ما يخيف إسرائيل هو تفاهم وتجمّع الفلسطينيين في أُطر سياسية وعدم نسيانهم قضيتهم في بلدان الاغتراب".

 

 

أخبار مصر

عربي ودولي