"لا علم لي بزيارة كوهين".. هل خلافات حميدتي والبرهان على وشك الانفجار؟

04 فبراير, 2023 11:56 صباحاً
أخبار الغد

نفى نائب رئيس مجلس السيادة السوداني "محمد حمدان دقلو-حميدتي" أي علم له بزيارة الوفد الإسرائيلي الذي زار الخرطوم قبل يومين، في تأكيد على أنه لا علاقة له بمساعي وضع اللمسات النهائية على اتفاق التطبيع، ما يوحي بتصاعد الخلاف القديم بينه وبينه رئيس مجلس السيادة الفريق أول "عبدالفتاح البرهان"، استنادا إلى إقصائه من مباحثات اتخاذ مثل هذه القرارات المصيرية.

والخميس، أعلنت وزارتا الخارجية الإسرائيلية والسودانية، أنهما اقتربا من التطبيع الرسمي للعلاقات، ومن المتوقع إقامة مراسم توقيع الاتفاق عقب نقل السلطة من الجيش إلى حكومة مدنية.

جاء ذلك بعد زيارة خاطفة لوزير الخارجية الإسرائيلي "إيلي كوهين" إلى الخرطوم، حيث التقى "البرهان" واتفقا على المضي قدما في سبيل تطبيع العلاقات بين البلدين.

ونقلت وكالة الأنباء السودانية الرسمية عن "حميدتي"، مساء الخميس تأكيده "عدم صحة الأنباء المتداولة بشأن لقائه الوفد الإسرائيلي الذي زار الخرطوم الخميس"، وأنه "لم يكن يعلم بالزيارة المعنية".

ويُنظر إلى الجيش السوداني على أنه هو الذي بادر بالتحرك لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتولت المؤسسة العسكرية زمام الأمور في البلاد منذ انقلاب في عام 2021، ولكنها تقول إنها تعتزم تسليم السلطة إلى حكومة مدنية.

ويعد "حميدتي" واحدا من أبرز الداعين لهذا التطبيع مع دولة الاحتلال، حيث سبق له أن صرح بأن قرار التطبيع مع إسرائيل "نابع من قناعة سودانية"، مؤكداً عدم وجود أي ضغوط من أي جهة أو "ابتزاز أمريكي"، كما أشيع، وفق حوار له مع جريدة "الشرق الأوسط" نشر في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2020.

كما أوضح أن "اللاءات الثلاث" التي أطلقها مؤتمر القمة العربي في الخرطوم عام 1967 (لا سلام لا مفاوضات لا اعتراف بإسرائيل) "لم تفد السودان شيئا"، مضيفا: "لذلك نعمل للتصالح مع كل العالم وإسرائيل جزء منه"، بحسب حواره مع "الشرق الأوسط".

وذكرت وسائل إعلام سودانية وإسرائيلية، خلال الأشهر الماضية، أن وفوداً لجهاز "الموساد" الإسرائيلي كانت قد زارت الخرطوم عدة مرات، والتقت بشكل خاص "حميدتي"، وهو ما يعني مباركته التطبيع.

وهنا يبقى السؤال، عن السبب في عدم معرفة "حميدتي" كما ذكر بالزيارة، وعدم مشاركته في وضع اللمسات النهائية لاتفاقية التطبيع.

وليس بعيدا عن الزيارة والاتفاق، أثارت الزيارة المزدوجة التي أجراها "البرهان" ونائبه "حميدتي" بشكل منفصل الأسبوع الماضي، إلى العاصمة التشادية نجامينا، العديد من التساؤلات خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين الرجلين، ونظرة بعض الدول للسودان على أساس أنه دولة برأسين.

والأحد، أجرى "البرهان" زيارة إلى تشاد والتقى رئيسها "محمد إدريس ديبي" حيث أجريا محادثات ركزت على القضايا الأمنية والحدود ومكافحة الإرهاب، وتعزيز القدرات العملياتية للقوات السودانية التشادية المشتركة المنتشرة على الحدود، وتفعيل القوة الثلاثية المشتركة بين السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى التي تم إنشاؤها في العام 2005 وتبادل المعلومات بين أجهزة الأمن والاستخبارات.

ورافق "البرهان" في زيارته وزير الخارجية "علي الصادق"، والمدير العام لجهاز المخابرات العامة "أحمد إبراهيم مفضل"، ورئيس هيئة الاستخبارات العسكرية "محمد علي أحمد صبير".

وبعد عودة "البرهان" بساعات، أجرى "حميدتي"، الإثنين" زياة مماثلة لتشاد، وأجرى أيضا محادثات مع "ديبي"، وناقش معه أيضا قضايا الحدود والأمن.

ورافق "حميدتي" في زيارته مسؤول دول الجوار في وزارة الخارجية السفير "عبدالعزيز حسن صالح"، ومدير هيئة المخابرات في جهاز المخابرات العامة "عباس محمد بخيت".

يأتي ذلك بعد تصريحات بدت متضاربة بين "البرهان" و"حميدتي" بشأن الأوضاع الأمنية والسياسية في أفريقيا الوسطى، حيث أعلن "حميدتي" في ديسمبر/كانون الأول الماضي إحباط مخطط لقلب نظام الحكم في أفريقيا الوسطى، تقف وراءه جهات داخل السودان، مؤكدا توقيف عسكريين متقاعدين ومجموعات مسلحة تم تدريبها.

لكن "البرهان" رد عليه ضمنا خلال زيارته إلى إقليم النيل الأزرق في يناير/كانون الثاني الجاري، عندما أشار إلى أن "الجيش السوداني لم يجند يوما مرتزقة حتى تقاتل في بلد آخر"، مضيفا: "نحن جيش محترف ونظامي نعترف بالنظم والقوانين الدولية، ولن نزعزع استقرار أي دولة".

والخلاف هنا بين الرجلين، يعود إلى تلقي "البرهان" معلومات حول تدريب قوات "فاجنر" الروسية مقاتلي المعارضة التشادية في قواعد روسية بأفريقيا الوسطى، بالتعاون مع قوات يعتقد أنها تابعة للدعم السريع التي يترأسها "حميدتي".

كما تلقى "البرهان"، حسب مصادر سودانية متعددة، معلومات مماثلة من جهات أمريكية وفرنسية، عن تعاون قوات "الدعم السريع" مع قوات "فاجنر" الروسية، في مشروعات استثمارية مشتركة بمجالات التعدين عن الذهب واليورانيوم في أفريقيا الوسطى ودول أفريقية أخر، توسع فيها النفوذ الروسي على حساب فرنسا.

وينظر إلى اتفاق "البرهان" مع "ديبي" بشأن تعزيز القوات على طول الحدود بين البلدين، إلى مواجهة انتشار قوات الدعم السريع في بعض المناطق الحدودية عقب المواجهات القبلية في ولاية غرب دارفور المتاخمة للحدود التشادية.

فيما ينظر إلى زيارة "حميدتي" إلى أنها تستهدف بث تطمينات لدى الزعيم التشادي، بعدما تلقى رسائل تحذير من دوائر أمريكية وفرنسية، كما أنه يخشى غضب واشنطن التي صنفت قوات "فاجنر" منظمة إجرامية، وربما تعاقب من يتعاونون معها وتفرض عقوبات على أي جهات تتعاون عسكريا واستثماريا مع موسكو في سبيل منع التمدد الروسي.

ووفق مراقبين، يسعى "البرهان" منفردا عبر اتفاق التطبيع والتعاون مع تشاد بعد التحذيرات الأمريكية والفرنسية، إلى الحصول على الدعم الغربي في مواجهة "حميدتي" المقرب من الروس، في محاولة لفتح طريق تعاون السودان مع المجتمع الدولي.

والخلافات بين "البرهان" و"حميدتي" ليس جديدا، فسبق أن كشف موقع "ليبيا أوبزرفر"، في 2020، أن "البرهان" يزوّد قوات "خليفة حفتر" في ليبيا بالأسلحة والذخائر، وينافس نائبه "حميدتي" على الأموال التي ترسلها الإمارات للجنرال الليبي المتقاعد.

وبالحديث عن الإمارات، فقد كانت أبوظبي منتصف 2021 سببا في خلاف بين "البرهان" وحميدتي" في ظل تخليها عن قائد قوات الدعم السريع في مقابل زيادة الاهتمام بالقائد العام للجيش.

هذا الخلاف تصاعد قبل أشهر قليلة من الانقلاب العسكري في السودان في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، والتي كادت أن تصل لمرحلة المواجهة المباشرة بين الجيش والدعم السريع.

في ذلك الوقت، استشعر المدنيون في مجلس السيادة، ومعهم رئيس الوزراء "عبدالله حمدوك"، خطر ذلك الخلاف على مستقبل التحول الديمقراطي خصوصاً، وعلى مستقبل السودان بصفة عامة، وقرروا تشكيل لجنة وساطة برئاسة "حمدوك"، نجحت بأيام قليلة في جمع "البرهان" و"حميدتي" والصلح بينهما والتصافي ونسيان الماضي وفتح صفحات جديدة.

وبعد هذا الصالح، تعاون الرجلان في تنفيذ انقلابهما العسكري على المدنيين، وانفردا بالسلطة في البلاد.

وبعد تنفيذ الانقلاب ومُضي أشهر قليلة، اندفع "البرهان" و"حميدتي" مرة أخرى نحو التسوية مع المدنيين وقد يكون لديهما أكثر من دافع، لكن من المؤكد أن تجدد الخلافات بينهما هو واحد من أهم الدوافع نحو التسوية، خصوصاً أن كل واحد منهما لم يتخلَّ عن طموحه وحلمه الاستراتيجي في السلطة، ولن يسمح للآخر بالتقدم في ذلك السباق.

إذا سلمنا بأن الخلافات بين الرجلين هي التي تحركهما نحو التسوية السياسية، فإنه لا مأمن منهما مطلقاً متى ما زالت ظروف خلافاتهما بحيث يمكنهما في أي لحظة الانقضاض مرة أخرى على الحكومة المدنية المتوقع تشكيلها باكتمال الاتفاق النهائي بين المدنيين والعسكر، حيث إن تعهداتهما المنفصلة لتسهيل الديمقراطية تفتقر إلى التفاصيل، وغالبا ما تتعارض حول القضايا الرئيسية.

كما أن "البرهان" و"حميدتي" كلاهما يخرج إلى الساحة الدولية، ولقد أجريا بشكل منفصل سلسلة من الاجتماعات الدبلوماسية المستقلة، في القاهرة وموسكو وأبوظبي، لكنهم يؤكدون أنه ليس لديهم مصلحة في الترشح في الانتخابات المستقبلية.

وتحت ضغط دولي هائل، أحرزت المحادثات الأخيرة بين الجيش والقوى المؤيدة للديمقراطية بعض التقدم، لكن هذا يمكن قلبه في أي لحظة؛ حيث يحتفظ "البرهان" و"حميدتي" بأدوار غامضة لكنها مسيطرة.

ويرى المحاضر في مركز الدراسات الدبلوماسية في الخرطوم "عبدالرحمن أبوخريس"، أن بعض الدول تتعامل مع السودان باعتباره "دولة برأسين".

ويوضح "أبوخريس"، وفق ما نقله عنه "الجزيرة نت"، أن الوضع في البلاد معقد، حيث إن "البرهان" هو قائد الجيش الذي له الكلمة العليا في البلاد، لكنه يؤكد أن قائد الدعم السريع "حميدتي" بات يتمتع بنفوذ عسكري ومالي كبير، وله وضع شبه مستقل، ما يجعل من الصعب تجاوزه.

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات