مع تصاعد التضخم.. هل سيرفع الجيش المصري يده عن اقتصاد البلاد؟

30 يناير, 2023 06:08 مساءً
أخبار الغد

يرزح اقتصاد مصر تحت وطأة أزمة اقتصادية؛ فقد ارتفعت أسعار الأغذية والسلع الأساسية الأخرى بما في ذلك الإسكان والخدمات الطبية خلال الأشهر القليلة الماضية وسط موجة تضخم غير مسبوقة.

ويتوقع المحللون أن يستمر التضخم في الارتفاع خلال الأشهر المقبلة، بالنظر إلى موارد البلاد المحدودة من العملات الأجنبية. ويعني ذلك استمرار التداعيات السلبية على الأسر  منخفضة الدخل والتي تكافح بالفعل من أجل العيش.

ويعد هذا الوضع خطيرا بالنظر إلى أن ما يقرب من 30% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر. ويمكن أن يؤدي الغضب المتصاعد من ارتفاع الأسعار إلى موجة جديدة من الاضطرابات الاجتماعية في البلد الأكثر اكتظاظًا بالسكان في العالم العربي، مع آثار سياسية وأمنية كبيرة على المنطقة بأكملها.

يشار إلى أن الاحتياطيات الأجنبية في البلاد انخفضت بشكل كبير، حيث وصلت إلى 34 مليار دولار في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وهو ما يكفي لتغطية حوالي 5.4 شهر فقط من واردات البلاد، وفقًا للبنك المركزي المصري. 

ودفع الضغط على الجنيه المصري الحكومة إلى ثالث تخفيض لقيمة العملة المحلية في أقل من عام، حيث وصل السعر الرسمي للدولار إلى 32 جنيهًا مصريًا بحلول منتصف يوم 11 يناير/كانون الثاني قبل أن يتراجع إلى 29.6 في اليوم التالي.

وكان التخفيض الأخير في قيمة الجنيه مدفوعًا باتفاقية مع صندوق النقد الدولي تحصل بموجبها مصر في ديسمبر/كانون الأول 2022 على أول شريحة من قرض إنقاذ بقيمة 3 مليارات دولار ومدته 46 شهرًا. وتأمل الحكومة المصرية في استخدام هذا القرض لاستعادة ثقة المستثمرين في الاقتصاد المتعثر وتحفيز تمويل إضافي من الشركاء الإقليميين والدوليين.

ويعد تحرير سعر الصرف وتقليل دعم الوقود والكهرباء عناصر رئيسية في أجندة الإصلاح التي أقرتها الحكومة منذ عام 2016 بالتعاون مع صندوق النقد الدولي.

دور الجيش

وفيما نجم الوضع الاقتصادي الرهيب في البلاد عن اضطرابات عالمية متتالية بفعل جائحة "كوفيد" وحرب أوكرانيا -والتي أثرت بشدة على قطاع السياحة الحيوي في مصر - يشير بعض المحللين إلى أن الإنفاق الحكومي غير الرشيد عامل رئيسي آخر، فقد ضغطت العديد من مشاريع البنية التحتية الضخمة في السنوات الأخيرة على ميزانية الدولة مع توسع دور الجيش في الاقتصاد.

وفي نهاية ديسمبر/كانون الأول 2022، نشر المعهد القومي للتغذية في مصر على صفحته الرسمية على "فيسبوك" منشورًا يروج لـ"أرجل الدجاج" كوجبة بديلة "غنية بالبروتين" و "غير مكلفة" لمساعدة المواطنين على التعامل مع موجة ارتفاع الأسعار، ثم التقطته وسائل الإعلام الحكومية وروجت له، مما أدى إلى تصاعد الغضب العام والانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي.

ووصل الجدل حول الاقتراح الاستفزازي إلى البرلمان؛ ففي جلسة برلمانية عامة في 3 يناير/كانون الثاني، انتقد النائب "كريم السادات" مسؤولًا من وزارة التموين تحدث عن الفوائد الغذائية لأرجل الدجاج في برنامج تلفزيوني، متهمًا المسؤول بأنه "منفصل" عن واقع الأزمة الاقتصادية الحالية.

وقال "السادات" إن السلع الرئيسية لم تعد متوفرة في الأسواق كما أصبحت العديد من السلع بعيدة عن متناول المواطن العادي، ورأى أن الحكومة تركتهم كنواب في مواجهة غضب المواطنين بسبب ارتفاع الأسعار.

وعززت القوات المسلحة المصرية (التي لديها أفضلية تنافسية على الشركات الخاصة بسبب الإعفاءات الضريبية للجيش) قوتها الاقتصادية في البلاد في السنوات الأخيرة. 

وزاد الجيش بشكل مطرد من مشاركته في قطاعات متعددة من الاقتصاد، بما يشمل الفنادق ومحطات الوقود وشركات السيارات والأدوية ومشاريع البنية التحتية فضلا عن السلع والخدمات العادية، مما ولد إيرادات ضخمة لخزائن الجيش من خلال الشركات التي يملكها أو يديرها الضباط مباشرة  أو من خلال العقود المقدمة للشركات المرتبطة بالجيش، مع إقصاء القطاع الخاص.

لكن لتأمين قرض صندوق النقد الدولي، كان على القاهرة أن تخضع لمطالب صندوق النقد بتقليص دور الجيش في الاقتصاد وزيادة دور القطاع الخاص، حيث يعتبر صندوق النقد ذلك "إصلاحًا هيكليًا حيويًا لزيادة القدرة التنافسية".

وبغض النظر عن الوعود، سيكون من الصعب على القاهرة تلبية شرط صندوق النقد الدولي المتمثل في إخراج القطاع العام والجيش من الاقتصاد. 

وبالرغم من وعود الرئيس "عبد الفتاح السيسي" المتكررة بإدراج الشركات المملوكة للقطاع العام في البورصة، و"فتح الباب لمشاركة القطاع الخاص"، لم يكن هناك أي محاولات حقيقية لخصخصة الشركات العسكرية حتى الآن، مما يشير إلى مقاومة محتملة من داخل الجيش. 

وسيكون طرح أسهم الشركات المملوكة للجيش نقطة تحول لمصر، حيث ظلت القيمة المالية لأصول الجيش سرية، وكانت الميزانية العسكرية محمية من التدقيق العام منذ فترة طويلة.

تحول الخليج

تدرك دول مجلس التعاون الخليجي، التي تواجه تهديدًا إقليميًا متزايدًا من إيران، أن انهيار اقتصاد مصر وتفكك الجيش المصري سيكون تهديدًا وجوديًا؛ وقد أكدت كل من الرياض وأبوظبي مرارًا وتكرارًا أن "الأمن المصري جزء لا يتجزأ من الأمن العربي". 

وإذا فشل اقتصاد مصر وحدثت اضطرابات اجتماعية وأمنية فقد تصل آثارها إلى دول الخليج. 

لذلك، ضخت دول مجلس التعاون الخليجي الرئيسية مليارات الدولارات منذ ثورة 2011، وصلت إلى 92 مليار دولار حتى الآن، وفقًا لمسؤول في البنك المركزي لم يكشف عن اسمه. وفي حين أن ذلك ساهم في منع الانهيار الاقتصادي في مصر حتى الآن، إلا إنه فشل في تطوير نظام اقتصادي مستدام يمكنه إيقاف مصر على قدميها على المدى الطويل.

وفي ظل تردد الحلفاء الخليجيين في ضخ المزيد من المساعدات المالية في الاقتصاد المصري الذي يبدو كحفرة لا نهاية لها، فإنهم يتطلعون الآن إلى شراء أصول الدولة التي تعرضها القاهرة للبيع من أجل سد فجوة التمويل لديها. 

وتأمل البلاد في جذب استثمارات بقيمة 40 مليار دولار على مدار السنوات الأربع القادمة لزيادة احتياطياتها الأجنبية وتخفيف عبء الديون الأجنبية.

لكن هذا ليس مربحًا للجانبين؛ ففي حين تدعي الحكومة أن الاستثمارات ستعمل على ترسيخ مكانة مصر باعتبارها واحدة من الوجهات الاستثمارية الرائدة في العالم، فإن بيع الأصول يشكل مصدر قلق كبير للعديد من المصريين، لأنهم يعتبرون ذلك علامة على مزيد من تآكل الاستقلالية السياسة الاقتصادية لبلدهم.

وإذا أرادت مصر علاجًا بديلًا على المدى الطويل، فيجب عليها تهيئة مناخ الاستثمار بشكل يمنح الشركات المحلية فرص عادلة، وما لم يحدث ذلك، ستكون استثمارات الخليج ذات قيمة ضئيلة لمصر والمستثمرين على حد سواء.

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات