مصر: الطبقة الوسطى تنهار وسط هيمنة مستمرة للجيش على الاقتصاد

24 يناير, 2023 07:29 مساءً
أخبار الغد

تتعرض الطبقة الوسطى في مصر لضغوط شديدة دفعت قطاعاً كبيراً منها للانحدار إلى الفقر، في وقت وصل فيه عدد الفقراء في البلاد إلى نحو 60 مليوناً، وسط توقعات بارتفاع العدد، في الوقت الذي لم تتوقف فيه الحكومة عن الإنفاق الواسع على مشروعاتها الكبرى، أو الحد فعلياً من هيمنة الجيش على الاقتصاد.

وارتفعت أسعار السلع بأضعاف ما كانت عليه خلال عام، كما أن الجنيه فقد نصف قيمته منذ مارس/ آذار الماضي، وهو ما رصدته صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير لها الاثنين، مدللة على ما يحدث بأن "البيض أصبح للكثيرين الآن من الكماليات، كما أن اللحوم لم يعد التفكير فيها وارداً للكثيرين، في الوقت الذي ارتفعت فيه الرسوم المدرسية والنفقات الطبية، وهو ما أدى إلى تدهور حياة الطبقة الوسطى".

وفقاً للصحيفة ذاتها، فإن "تكلفة البيض والحليب والجبن تضاعفت أربعة أضعاف ما كانت تكلفته قبل عام؛ كما أن لحوم البقر والدجاج والأسماك ارتفعت ثلاثة أضعاف تقريباً، كما أن تكلفة حقن الأنسولين الخاصة بمرضى السكر تضاعفت سبع مرات أكثر".

وأضافت الصحيفة أن "الأزمة ظهرت في الأفق في فبراير/ شباط الماضي، عندما غزت روسيا أوكرانيا، وهزّت دول الشرق الأوسط".

في مصر، كشفت تداعيات الحرب عن عيوب عميقة في الطريقة التي أدار بها الرئيس عبد الفتاح السيسي ومساعدوه الاقتصاد، مما عرّض قيادتهم الاستبدادية لمستويات خطيرة من التوتر من الجمهور والشركاء في الخارج على حد سواء، على حد وصف الصحيفة.

وأشارت إلى أن "معظم المصريين سيواصلون معاناتهم، كما فعلوا لسنوات مع تشديد الحكومة للإنفاق على الرعاية الصحية العامة والتعليم والإعانات"، مشيرة إلى أن "البنك الدولي قدّر أن ما يقرب من 60 في المائة من المصريين فقراء".

تعهدات للصندوق

وقالت الصحيفة إن "صندوق النقد الدولي طالب مصر ببيع بعض الشركات المملوكة للدولة لجمع الأموال وتجريد الشركات المملوكة للجيش من الإعفاءات الضريبية وغيرها من الامتيازات، مما يسمح للشركات الخاصة بالمنافسة"، وهو ما يؤدي، بحسب الصحيفة، إلى "ضرب قلب هيكل السلطة في مصر".

وأشارت إلى أن "حكومة السيسي، التي اكتسبت السلطة في عام 2013 من خلال استيلاء الجيش على السلطة، قد سلمت السيطرة على جزء كبير من موارد مصر إلى المؤسسة العسكرية، الذي كان يدير منذ فترة طويلة اقتصاداً موازياً مترامي الأطراف، وشملت تلك الأصول مصانع المعكرونة والإسمنت المملوكة للجيش والفنادق واستديوهات الأفلام، وحذر الخبراء من أن هذا النمو يخنق النمو".

وتعهدت الحكومة المصرية في خطاب نوايا في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني، للحصول على حزمة إنقاذ مالي من صندوق النقد الدولي بقيمة ثلاثة مليارات دولار، بإبطاء وتيرة الاستثمار في المشروعات العامة، بما في ذلك المشروعات القومية، وذلك للحد من الضغوط على سوق الصرف الأجنبي والتضخم.

وأنفقت مصر في عهد السيسي المليارات على مشاريع عملاقة، مثل العاصمة الجديدة والطرق السريعة والجسور والقصور الرئاسية، معلنة أنها ضرورية للتنمية، وهي التي يتم تمويلها بشكل أساسي من الديون، إذ زادت من نفوذ الشركات المملوكة للجيش دون أن تنتج وظائف مجدية أو إسكاناً أو مكاسب أخرى.

ودافع السيسي، أمس الاثنين، عن المشروعات العملاقة، مؤكداً أنها ليست السبب في الاضطرابات الاقتصادية التي أدت إلى انخفاض قيمة العملة المحلية وتسارع التضخم.

وقال السيسي إن ثورة يناير/ كانون الثاني 2011 هي السبب في زعزعة استقرار مصر وإعاقة تنميتها الاقتصادية، وإن الاضطرابات الاقتصادية الأخيرة ناجمة عن الحرب الروسية في أوكرانيا وعوامل عالمية أخرى. 

هيمنة الجيش الاقتصادية على المحك

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي تيموثي كالداس إنه "بسبب السلوك المتهور للنظام في كيفية إدارته للاقتصاد، أصبحت مصر الآن ضعيفة جداً"، مضيفاً للصحيفة الأميركية أن "صندوق النقد يسعى لعدم فشل صفقة القرض مع مصر، لذا فرض الكثير من الشروط بطريقة لم يفرضها في الماضي".

وتؤكد الصحيفة، نقلاً عن محللين، أن وعود مصر بزيادة نمو القطاع الخاص قد تؤتي ثمارها في بعض السنوات إذا لم تتهرب الحكومة أو تماطل في تنفيذها كما فعلت مرات عديدة من قبل. وبالنظر إلى هيمنة الجيش، فمن غير المرجح أن يتنازل عن امتيازاته وأرباحه بسهولة.

وقالت الخبيرة الاقتصادية، سارة سميرسياك، إنه "حتى إذا أوفت مصر بالتزاماتها، فيمكن للجيش أن يحافظ على السيطرة على الأصول من خلال بيعها لشركات خاصة يرأسها ضباط متقاعدون. يمارس الجيش بالفعل السيطرة على بعض الشركات الخاصة ظاهرياً بقيادة هؤلاء المقربين".

وأضافت للصحيفة أن "تجريد المؤسسة العسكرية من امتيازاتها ليست بالأمر الواقعي من الناحية السياسية"، مشيرة إلى أنه "حتى لو تمت خصخصة جميع الشركات العسكرية الرسمية - وهذا شيء لن يحدث أبداً في المستقبل المنظور - فسيظل ذلك بمثابة تأثير طفيف نسبياً في الموارد الاقتصادية التي يسيطر عليها الجيش".

ولم تتعهد مصر أيضاً بكبح السيطرة العسكرية على الأراضي والموارد الطبيعية، والتي تعتبر أكثر قيمة من أعمالها التجارية، وفقاً للصحيفة.

توسع الجيش اقتصادياً 

من جهته، قال الخبير المتخصص يزيد صايغ إن "الجيش المصري ليس فقط في خضم توسع متعدد السنوات لا يُظهر أي علامة على التراجع، بل استمر في الواقع في التوسع في القطاعات التي من المفترض أن تغادرها الدولة".

وأضاف صايغ، في مقال منشور الاثنين في صحيفة "فاينانشيال تايمز"، أن "التناقض بين الوعد والواقع سيصبح أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالحصة الكبيرة من السلع والخدمات العامة التي تقدمها الشركات والوكالات العسكرية".

وأكد صايغ أن "الجيش قد لا يضطر إلى القتال بقوة للحفاظ على حصته الاقتصادية هذه المرة، فالخبرات السابقة تؤكد ذلك، حيث راوغت وستراوغ الحكومة بخصوص التزاماتها تجاه الصندوق على أي حال"، مشيراً إلى أنه "ليس من المؤكد ما إذا كان الشركاء الأجانب الآخرون، لا سيما في دول الخليج، سيكونون متسامحين".

وأشار صايغ إلى أن "السيسي لن يسمح في الوقت الحالي بحدوث صدع خطير في علاقته مع الجيش، على أمل أن تتمكن الحكومة من تحمل عبء التعامل مع الجمهور غير الراضي بشكل متزايد والتوسل إلى المانحين الأجانب"، مؤكداً أنه "لا يستطيع تأجيل مواجهتهم إلى أجل غير مسمى".

وشدد على أن "موافقة السيسي على سياسة ملكية الدولة الجديدة رسمياً لا يغير الأمور، فهدفه المباشر كان إبرام اتفاق مع صندوق النقد على أمل أن يؤدي ذلك إلى فتح ائتمان إضافي بقيمة 14 مليار دولار من مصادر دولية أخرى".

أما الغرض الأساس للسيسي وفقاً لصايغ، فهو "رسملة الشركات والأصول المملوكة للدولة مثل البنية التحتية عن طريق ضخ الأموال الخاصة، مع تركها في أيدي الدولة"، في الوقت نفسه، "ينقل الرئيس قائمة متزايدة من أصول الدولة من أيدي الحكومة إلى سيطرة عدد متزايد من الهيئات والصناديق المنشأة حديثاً التي تخضع له مباشرة".

وأكد أن "أحد هذه الصناديق هو صندوق الثروة السيادي، الذي ظهر كأداة مفضلة للسيسي لجذب رأس المال الخاص، بدلاً من تعويم الشركات الحكومية بحرية في البورصة. وبالتالي، فإن تأييده لسياسة ملكية الدولة هو توجيه خاطئ، والذي قد يستخدمه مع ذلك لإخفاء استراتيجيته الفعلية".

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات