الترشيد على الطريقة الحكومية.. اللي يعوزه بيتك لبناء المساجد الكبيرة وانتاج المسلسلات الدعائية

(فقه الأولويات وتصريحات ضبط الإنفاق)

24 يناير, 2023 03:33 مساءً
درب
أخبار الغد

في يوم واحد، تضاربت تصريحات عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية مع بيانات حكومته على كل المستويات، فبينما أصدرت الحكومة قرارات بترشيد الإنفاق دعا الرئيس إلى إنتاج مسلسلات دعائية تروي بطولات جهاز الشرطة، وقبلها بساعات كان السيسي قد وجه ببناء مساجد كبرى بكل المحافظات بينما تساءل الخبراء والمتابعون عن جدوى ذلك القرار في ظل أزمات اقتصادية طاحنة.. ولم يقتصر الأمر على ذلك فقد ضمت تصريحات رئيس الجمهورية تأكيدًا جديدًا على أهمية الإنفاق على “المشروعات الكبرى” في وقت أصدرت فيه وزارة المالية بيانًا قالت خلاله إنها ستعقد جلسات حوارية لمراجعة أوجه الإنفاق وأولوياتها في الموازنة الجديدة.

يقول الشاعر “نبني من الأقوال قصرا شامخا**والفعل دون الشامخات ركامُ”، وربما ينطبق هذا البيت على الأوضاع الحالية، فأقوال السلطة في مصر قصرًا شامخًا بينما الأفعال رُكام.. فجوة عميقة بين القول والفعل جعلت البعض يُبدي علامات الدهشة من حجم الإنفاق في ظل دعوات الترشيد بينما يتردد في أذهانهم المثل الشعبي الذي ورثوه عن أجدادهم “اللي يعوزه البيت يحرم على الجامع”.

– غلاء وارتفاع أسعار وتضخم.. ودعوات لإنتاج مسلسلات

خلال كلمته خلال الاحتفال بالذكرى 71 لعيد الشرطة بمجمع المؤتمرات بأكاديمية الشرطة بالقاهرة الجديدة، أكد الرئيس عبدالفتاح السيسي، أننا في أشد الحاجة إلى إبراز دور الأبطال عبر التاريخ، فمصر قدمت العديد من الشخصيات الفدائية على مر الزمن.

السيسي أضاف “لو طلعنا مسلسلات تتكلم عن البطولات دي لو كل مسلسل حتى 5 حلقات عشان نعرف الناس قد أيه البلد دي طول عمرها ولادة للأبطال وللرجال اللي الظروف قدمتهم وممكن تكون الناس دلوقتي متعرفهمش”.

وتابع: “إحنا محتاجين نبرز الشخصيات دي بالشكل الذي يليق بها وعشان نحافظ على حسنها”، مشددًا على أنه على مر التاريخ تعرضت الشرطة والجيش لمحاولات تكسير لتدمير البلد وتضيعها، ولكن المصري دائمًا معروف بفدائه.

في أبريل من عام 2022، وبحسب تقرير سابق لموقع “بي بي سي”، ذكر أنه وفقًا لإحصاءات غير رسمية، فقد أنتج خلال الموسم الرمضاني الماضي 172 مسلسلاً عربيا، واستحوذت مصر على نصيب الأسد من الإنتاج الدرامي، فهي الدولة العربية الأكثر إنتاجا لمسلسلات رمضان، إذ أنتجت خلال هذا الموسم 36 مسلسلا عربيا تُعرض على قنوات مصرية وعربية مختلفة من بينها مسلسل “الاختيار 3”.

يلفت التقرير النظر إلى أن الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية أنتجت نحو 14 عملاً خلال الموسم الرمضاني، وهي شركة تشير تقارير صحفية إلى أنها مملوكة لجهة سيادية، وعلى رأسها مسلسل “الاختيار-3” ، وهو الجزء الثالث من الدراما الرمضانية، الذي يوثق لمرحلة الإطاحة بالإخوان وتولي الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الحكم.

ويشير الموقع إلى أن إنفاق المليارات على المسلسلات جاء في وقت “تعاني فيه مصر من ظروف اقتصادية صعبة تراجع على إثرها سعر صرف الجنيه المصري بنحو 15 % -آنذاك- ، فيما يشكك بعض المصريين الذين تحدثنا إليهم في جدوى إنفاق هذه المليارات على المسلسلات بينما تئن البلاد من وطأة تضخم طاحن وارتفاع بالأسعار تراوح بين 20 – 50 في المائة”.

دعوة الرئيس لإنتاج مسلسلات عن بطولات الشرطة تأتي في وقت اعترف فيه بوجود أزمة اقتصادية شديدة، لكنه في الوقت ذاته وجه اللوم إلى الإعلام بسبب تناولها.

السيسي حذر مما وصفها بأنها “دعاوى مضللة يتم ترديدها لتصوير الأزمة الاقتصادية كأنها شأن مصري خالص ونتيجة للسياسات الاقتصادية للدولة ومشروعاتها”، ودعا المواطنين للصمود أمام الأزمة”.

وقال “الأزمة الاقتصادية تمس وتضر العالم كله، ونحن مضارين منها، طيب نصمد لها ولأ؟، الدولة تحاول تقليل هذه الآثار بكل ما أوتيت من قدرات، لكن القدرات دي مش بتاعتي ومش بتاعة الحكومة، بنحاول الأمور متبقاش ضاغطة على الناس”.

وأضاف: “أنا ليا عتاب على الإعلام.. أنتم ليه بتصوروا المصريين على إنهم مرعوبين على الأكل والشرب، والله ما يصح أنك تبينا أننا مرعوبين على الأكل والشرب، لا مايصحش كده، وكأن آخر الدنيا، وأنا مش بقول إن ده كلام مش صحيح، لأ بس بقول مش ده آخر الدنيا في مصر”.

وأكد: “بقول للشعب المصري إن الدولة دي هتبقى وتظل وتستمر وتكبر بينا كلنا وبتضحياتنا، واللي من ضمنها دي تضحية الظروف دي اللي إحنا ماعملنهاش لكن قدر الله شاء إن الدنيا تبقى كده في آخر 3 سنوات ويمكن تستمر معانا، لازم نصمد ونقف أمام ظروفنا زي ما وقفنا قدامهم في 2013”.

– أزمة اقتصادية وإجراءات للتقشف.. ومساجد كبرى

قبل ساعات من حديث عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية عن “مسلسلات الشرطة”، أثار أحد توجيهاته للحكومة جدلا كبيرًا.

في التاسع من يناير الجاري، أصدر رئيس مجلس الوزراء القرار رقم 69 لسنة 2023 بشأن ترشيد الإنفاق العام بالجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة والهيئات العامة الاقتصادية “في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية”، حسب منطوق القرار.

القرار تضمن ضوابط عامة تضم 11 بندًا تشمل نطاق سريان القرار على الجهاز الإداري والإدارة المحلية والهيئات العامة الخدمية.. والجهات المستثناة والتي كان أبرزها وزارات الدفاع والداخلية والخارجية والتموين والصحة.

وعلى الرغم من أن “وزارة الأوقاف” لم تدخل ضمن الجهات المستثناة، إلا أن رئيس الجمهورية وجه خلال اجتماع عقده مع أعضاء حكومته بإنشاء “مساجد كبرى” بجميع المحافظات.

وصرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بأن الاجتماع تناول “متابعة النشاط الدعوي والمجتمعي لوزارة الأوقاف”.. متابعًا “وجه السيسي بوضع خطة متكاملة لإنشاء مساجد تابعة لوزارة الأوقاف على مستوى كافة محافظات الجمهورية، بحيث تكون جامعة لكافة الأنشطة الدعوية ومقارئ القرآن الكريم، ومنارة لنشر صحيح الدين على امتداد رقعة الجمهورية، مع مراعاة حسن انتقاء مواقعها وتخصيص مساحة مناسبة لها، إلى جانب رفع كفاءة المساجد الرئيسية الكبرى في كل محافظة”.

الأمر أثار كثير من الانتقادات خاصة أنه جاء في ظل دعوات التقشف، إذ قال الدكتور عمار علي حسن، الكاتب والأديب، إن مصر بحاجة لمدارس ومكتبات ومستشفيات ومزارع ومصانع، وجاء تعليقه ردًا على تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي ببناء مساجد في المحافظات.

وتابع عمار في تدوينة له: “لسنا بحاجة لمزيد من دور العبادة، مساجد أو كنائس، بدعوى (تصحيح الدين) كما أعلن الرئيس، فإن كان تصحيحا حقا، فالموجود من المساجد يكفي، والله سبحانه في كل مكان، وفوق العبادة بالجوارح، هناك العبودية لله بالقلب، والعبودة بالروح والسر”.

وأضاف: “مصر بحاجة إلى مدارس ومكتبات ومستشفيات ومزارع ومصانع، ما يحتاج لتصحيح حقا، وبلا تلكؤ أو تردد، هو السياسة والاقتصاد والثقافة والأمن”.

أما الكاتب والروائي يوسف زيدان فقد علّق على دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي وزارة الأوقاف لبناء مساجد في المحافظات على نفقتها، وزيادة مكافأة حفظ القرآن بالقول “يا سيادة الرئيس، أما كان الأَوْلى برعايتك في هذه المرحلة الحرجة، التقشفية، هو صناعة النشر التي تترنَّح في مصر، والبحث العلمي الذي لفظ أنفاسه الأخيرة منذ سنوات، والتثقيف العام الذي نسيناه حتى نسينا أنفسنا؟”.

وأضاف: “يا سيادة الرئيس، لا بأس في الاهتمام بالأمور الدينية، فالدينُ أداةٌ من أدوات الضبط الاجتماعي، لكن مصر سطعت شمسها سابقًا، بالفكر وبالعلم وبالثقافة، وليس بشيء آخر”.. مختتما “فلعلك باخعٌ نفسك، من أجل هذا الوطن ومن أجل مستقبلنا جميعًا، ومستقبل المنطقة أيضًا”.

– تأكيد على أهمية “المشروعات الكبرى”.. ودعوات لمراجعة “الإنفاق العام”

في يوم واحد، تضاربت تصريحات عبدالفتاح السيسي مع بيانات محمد معيط وزير المالية في الحكومة المصرية.. فخلال احتفالية الشرطة، نفى السيسي في كلمته أن يكون الإنفاق على المشروعات القومية هو السبب في الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، متسائلا: “هل كان ممكن نتجاوز ومنطورش قناة السويس اللي كان دخلها 4.5 مليارات مليار دولار، وييجي النهاردة بعد 7 سنين يكون دخلها السنوي 8 مليارات دولار، إن المشروعات التي نفذتها الدولة لها مبررات علمية وفنية وليست سياسية، المشروعات دي لو متعملتش يبقى إحنا قصرنا في حق الناس، واللي بيكلم المواطن عاوز ياخده في حتة تانية ومش بيتكلم بموضوعية ولا علم”.

واستطرد: “آثار الأزمة كبيرة وتسبب آلاما للمصريين لا سيما على محدودي الدخل والفئات الأكثر احتياجا، وهذه الفئات تخوض كفافا يوميا هائلا، تدعمه الدولة عبر توفير احتياجات هذه الأسر ومواجهة ارتفاع الأسعار، والتزام بالحكومة بمساندة هذه الفئات هو التزام كامل لم ولن يتغير”.

وواصل: “ثقتي في الله وفى شعب مصر مطلقة بأننا سنعبر ونتجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية وآثارها علينا، بالعمل المخلص، والجهد الذي لا ينقطع، والإيمان بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وقدرتنا على بناء وطن يحقق آمالنا في الحياة الكريمة”.. مشددًا على أن الدولة لم يكن لديها “ترف الأولويات إننا نشتغل على ملف ونسيب ملف أو نأجل ملف تاني”.

لكن تلك التصريحات الرئاسية عن “المشروعات الكبرى”، جاءت على عكس ما أعلنته وزارة المالية في بيان أصدرته في اليوم ذاته، إذ أعلن محمد معيط عن إطلاق حوار مجتمعي حول الموازنة الجديدة خلال الأسابيع المقبل لتحديد أولويات الإنفاق العام والتوزيع العادل للاعتمادات.

الوزير أكد أنه سيتم إطلاق حوارًا مجتمعيا حول الموازنة الجديدة 2023 / 2024 خلال الأسابيع القليلة المقبلة؛ لتحديد (أولويات الإنفاق العام)، في ظل ظروف استثنائية يشهدها الاقتصاد العالمي، وتفرض ضغوطًا بالغة الصعوبة على موازنات الدول بما فيها مصر، سواءً من حيث الارتفاع غير المسبوق في أسعار السلع والخدمات؛ نتيجة لاضطراب سلاسل الإمداد والتوريد، أو ارتفاع تكلفة التمويل.

وأضاف الوزير، وفقا لبيان وزارة المالية، أن الهدف هو التوزيع العادل للاعتمادات الموازنية بشكل يراعي الاستجابة لمتطلبات النمو والتنمية لكل المناطق وشرائح المجتمع، مع التركيز على الأولويات التنموية، وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية، والتعامل مع آثار التحديات الاقتصادية الدولية والمحلية؛ بما يسهم في الحد من تداعيات الموجة التضخمية العالمية على المواطنين بقدر الإمكان؛ خاصة الفئات الأكثر احتياجًا، والأولى بالرعاية، جنبًا إلى جنب مع استكمال المبادرة الرئاسية حياة كريمة، ذلك المشروع الأضخم في تاريخ مصر؛ لتحسين معيشة 60% من المصريين ممن يعيشون في الريف، وزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم، والتوسع في البرامج الفعَّالة بهذين القطاعين الحيويين؛ من أجل الاستمرار في التنمية البشرية.

وقال الوزير، “إننا ملتزمون بتلبية احتياجات المواطنين وتقليل الآثار التضخمية عليهم، وتحقيق المستهدفات الاقتصادية، من خلال تعظيم جهود الانضباط المالي، وتنافسية الاقتصاد المصري، وتحسين بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات لتحفيز الاستثمار، وتحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستدامة، عبر دفع معدلات الإنتاجية والتصدير وتعميق المكون المحلى، وتعزيز التنمية الاقتصادية، والاهتمام بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة والصناعات التحويلية، والتوسع في التوجه للتحول الأخضر، وجذب المزيد من الاستثمارات النظيفة، بالاستغلال الأمثل للبنية الأساسية القوية، ودعم الإصلاحات الهيكلية حتى يقود القطاع الخاص قاطرة التنمية، ويوفر المزيد من فرص العمل المنتجة”.

وأوضح البيان، أنه سيتم عقد 6 جلسات حوارية مع ممثلي اتحاد الغرف التجارية، واتحاد الصناعات، والمجالس التصديرية، واتحاد المستثمرين، وجمعيتي رجال الأعمال، وشباب الأعمال، ومجالس الأعمال المشتركة، ومجلسي النواب والشيوخ، والمرأة، وذوي الهمم، إضافة إلى شباب الجامعات، ورموز الصحافة والإعلام، وخبراء الاقتصاد، وأساتذة الجامعات ومراكز البحوث.

بينما تتفاقم الأزمة الاقتصادية -باعتراف الحكومة نفسها- تأتي الدعوة في الوقت نفسه إلى إنتاج مسلسلات، وتصدر القرارات بإنشاء “مساجد كبرى” بجميع المحافظات، وتؤكد التصريحات الرئاسية أهمية “المشروعات” التي أنفق فيها المليارات بينما تدعو الحكومة إلى مراجعة “أولويات الإنفاق”.. فأي الأقوال أحق بالتصديق، ما نسمعه أم ما نراه ونعايشه؟

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات