أزمة "الوثائق السرية".. بايدن في مواجهة ترمب مجدداً

14 يناير, 2023 02:48 مساءً
أخبار الغد

تشهد الساحة السياسية الأميركية توتراً كبيراً، بعد العثور على وثائق سرية في مكتب ومرأب خاص بالرئيس جو بايدن، إذ يتوقع الخبراء السياسيون أن تأخذ القضية مسارات مختلفة، ما يضع الرئيس الأميركي مجدداً في مواجهة الرئيس السابق دونالد ترمب قبل السباق الرئاسي المنتظر في 2024. 

كان البيت الأبيض أعلن، الثلاثاء الماضي، العثور على 10 وثائق سرية، في نوفمبر الماضي، أثناء إفراغهم مكتبه الخاص في مركز أبحاث في واشنطن تابع لجامعة بنسلفانيا، والذي كان بايدن يعمل فيه بشكل منتظم خلال الفترة بين منتصف عام 2017 حتى بداية حملته الرئاسية عام 2020، وسلّموها إلى هيئة المحفوظات المسؤولة عن حفظ هذا النوع من المستندات الرسمية.

بعد الإعلان الذي جاء متأخراً لأكثر من شهرين، أجرى محامو الرئيس تفتيشاً لمقراته الخاصة وعثروا على وثائق سرية إضافية في مرآب وغرفة مجاورة بمقر إقامته في ويلمنجتون بولاية ديلاوير.

ما بين إعلان بايدن دهشته وإنكار معرفته بتلك الوثائق التي تتضمن مذكرات استخباراتية أميركية ومواد إعلامية تتعلق بأوكرانيا وإيران وبريطانيا، وبين مطالبة النواب الجمهوريين في الكونجرس بالتحقيق، عيّن وزير العدل الأميركي ميريك جارلاند، الخميس الماضي، المدعي الفيدرالي والمسؤول الرفيع السابق بوزارة العدل روبرت هير، محققاً خاصاً في القضية.

وبعد تعيين محقق خاص في تعامل بايدن مع الوثائق السرية التي عثر عليها في مكتبه وبيته، يفترض أستاذ العلوم السياسية ودراسات الاتصال في جامعة ميشيجان مايكل تراوجوت سيناريوهات محتملة تسير فيها القضية.

وقال تراوجوت لـ"الشرق" إنه "يتعين على المحامي الخاص تحديد مدى المشكلة وعدد المستندات المتضمنة، وما إذا كان الحصول على المستندات أو نقلها إلى هذه المواقع متعمداً أم عرضياً، وما إذا كان الأفراد المرتبطون ببايدن عندما كان نائباً للرئيس، في ذلك الوقت، هم من فعلوا ذلك، وهل كان ذلك عمداً أم عن غير قصد، إضافة إلى منشأ تلك الوثائق ومن اطلع عليها".

وبناء على تلك العوامل، يرسم تراوجوت مسارين للأزمة الأول "استدعاء هيئة محلفين كبرى، وإذا اعتُبر الإجراء متعمداً وكان هناك عائق لمصلحة الأرشيف الوطني في استرداد المستندات قد يتم توجيه تهم أكثر خطورة في نهاية المطاف"، لكن من غير المرجح أن "يُتهم بايدن، بل سيتم توجيه الاتهام لمعاونيه في تلك الفترة على الأرجح".

وأضاف: المسار الثاني، في حالة "اعتبار نقل المستندات عرضيًا أو عن طريق الخطأ، يتوقف الأمر عند توجيه توبيخ أو تحذير إداري، فقط. وفي تلك الحالة، توضع ملاحظة بالإهمال في ملف عمل الشخص المسؤول".

ورغم اعتبار أستاذ السياسة والشؤون العامة في جامعة برينستون تشارلز كاميرون أن "ما حدث يمكن أن يعد انتهاكاً لقانون التجسس، المتعلق بالحصول على وثائق وطنية سرية أو تسجيلها أو بثها، يشكك في وجود نية فعلية لارتكاب التجسس"، مرجحاً أنه "لا يعدو كونه إهمالاً".

وفي حديثه لـ "الشرق"، أوضح كاميرون أن "المدعي الخاص سيرغب في إظهار أنه حريص وشامل وحيادي، لذلك سوف يراجع الأحداث والوثائق ببطء وبعناية"، في حين "يفضل بايدن حلاً سريعاً، لإظهار عدم وجود انتهاك خطير، بالإضافة إلى إجراء مرئي من قبله مثل طرد المرؤوس المهمل الذي ربما يكون وزير الخارجية الحالي".

ويعتقد كاميرون أنه "في معظم الحالات، كان المخالفون لقانون التجسس أفراداً تمكنوا من الوصول إلى مواد سرية وقاموا بتسريبها للصحافة، احتجاجاً على سياسة الحكومة"، مشيراً إلى أن بعض الحالات "كان المخالفون جواسيس فعليين يعملون لدى حكومات أجنبية، لذلك كانت المحاكمات الحكومية قاسية".

وزاد: "لكن حالتي بايدن و دونالد ترمب تختلفان تماماً. على الأرجح إنه إهمال، وحفظ السجلات بشكل غير متقن، ولم يعرف بايدن ولا ترمب أي شيء عنها". 

في نفس الوقت، أكد كاميرون أن التحقيقات التي تجرى مع ترمب "ستبين ما إذا كان احتفظ بها عمداً لاستغلالها مالياً في صفقات تطوير عقاري، وفي تلك الحالة سيكون في ورطة كبيرة، لكن إثبات ذلك سيكون صعباً للغاية".

وأوضح أن "ما أثار استفزاز الشرطة الفيدرالية أو مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI في قضية ترمب، هو رفضه الغريب تسليم الوثائق السرية"، ومن المؤكد أن "بايدن سيتعاون بشكل كامل وسريع مع المحققين الفيدراليين، إذ يريد ذلك بسرعة، بينما يريد ترمب أن يلعب دور ضحية ملاحقة سياسية".

بايدن و ترمب.. اتهام واحد

في الوقت الذي يتم فيه التحقيق مع ترمب لسوء تعامله المحتمل مع 325 وثيقة سرية على الأقل، تم العثور عليها في مقر إقامته بمنتجع "مارالاجو" بولاية فلوريدا، وصف بايدن تعامل ترمب مع الوثائق السرية بأنه "غير مسؤول على الإطلاق". 

وبعد 4 أشهر، فقط، من ذلك الوصف حل بايدن محل ترمب، لكن الباحث السياسي زاك مكيري رأى أن "هناك ثمة فروق رئيسية بين مراجعة وزارة العدل لوثائق بايدن، وبين التحقيق الجنائي في إساءة تعامل ترمب المحتملة مع المستندات السرية".

ويعتقد مكيري أن كمية المستندات المضبوطة تعد أحد الاختلافات الرئيسية في القضيتين. ففي الوقت الذي استعاد فيه مكتب التحقيقات الفيدرالي أكثر من 300 وثيقة سرية من نادي ترمب الخاص ومكان إقامته في منتجع "مارالاجو" في بالم بيتش في ولاية فلوريدا، كشف محامو بايدن عن أكثر من 10 وثائق سرية. 

وأشار مكيري في تصريحاته لـ"الشرق" إلى أن "وثائق بايدن أعيدت بشكل طوعي إلى عهدة الحكومة، في حين قاوم ترمب جهود الحكومة لاستعادة الأوراق السرية، كما أنه تعامل باستخفاف مع الوثائق السرية وخلطها بنسخ مطبوعة من المقالات الإخبارية وهو ما أدى إلى إجراء تحقيق في احتمال سوء التعامل مع المعلومات السرية في حالته".

ولا يعني وجود اختلافات بين قضية وثائق بايدن وقضية وثائق ترمب أن الأمر أبسط في حالة بايدن، كما يعتقد الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي الجمهوري جيم دورنان الذي قال إن "هناك الكثير من الأسئلة بشأن هذه الوثائق، فلماذا استغرق الأمر وقتاً طويلاً للعثور عليهم؟ ولماذا كان لدى بايدن تلك الوثائق؟، وهل يوجد وثائق أخرى؟"، لكنه اعتبر أن "الأمر ليس جيداً للرئيس".

وتوقع دورنان في حديثه لـ "الشرق" إمكانية أن "يتعرض بايدن وترمب على حد سواء إلى لائحة اتهام لأخذ وثيقة سرية بشكل غير قانوني".

فرصة جديدة لترمب

الحزب الجمهوري الذي تعاني صورته السياسية من آثار نتائجه المتواضعة في الانتخابات النصفية، في نوفمبر الماضي، وفشل نوابه في اختيار رئيس مجلس النواب على مدار 14 جولة اقتراع في 4 أيام، لم يتأخر في الدخول على خط الأزمة.

فور الإعلان عن الوثائق السرية التي وجدها محامو بايدن في مكتبه الخاص، قال ترمب عبر منصته "تروث سوشيال": "متى سيقوم مكتب التحقيقات الفيدرالي بمداهمة العديد من منازل جو بايدن، وربما حتى البيت الأبيض؟، بالتأكيد لم يتم رفع السرية عن هذه الوثائق".

ووصف النائب الجمهوري، الذي من المقرر أن يصبح رئيساً للجنة الرقابة التابعة لمجلس النواب جيمس كومر، الأمر بأنه "شديد الهزلية"، مضيفاً أن "الرئيس بايدن انتقد ترمب بشدة لنقل الأخير وثائق سرية بطريق الخطأ إلى مقر إقامته أو إلى أي مكان آخر، والآن يبدو أنه فعل الشيء نفسه".

في حين سارع رئيس مجلس النواب الأميركي كيفين مكارثي بالقول "أعتقد أنه على الكونجرس التحقيق في هذا الأمر. هذا هو الشخص الذي جلس في برنامج 60 دقيقة وكان قلقاً للغاية بشأن وثائق الرئيس ترمب، والآن نجد أن هذا الذي كان نائب الرئيس يحتفظ بها في العراء لسنوات في أماكن مختلفة".

ويوفر اكتشاف وثائق سرية في مكان العمل السابق لبايدن وفي مساحته الشخصية، ذخيرة لترمب والجمهوريين الآخرين، حسبما يعتقد أستاذ مساعد العلوم السياسية في جامعة كورنيل ديفيد بيتمان، الذي قال إنه سيتم اتهام الرئيس والمدعي العام بمتابعة تحقيق ذي دوافع سياسية مع الرئيس السابق. 

وأضاف بيتمان لـ"الشرق" أن "عادةً ما أقول إن ترمب مقيد في مدى قدرته على مهاجمة بايدن، لكن رغم كل ذلك فإن الاثنين متهمين إلى حد ما بنفس التهمة".

وعلى الرغم من أن ترمب متهم أيضاً بارتكاب جريمة أكثر خطورة تتمثل في محاولة إخفاء حقيقة أنه لا يزال بحوزته وثائق سواء كانت سرية أم لا، يرى بيتمان أن حلفاء ترمب "لا حدود لنفاقهم" متوقعاً منهم "محاولة استغلال تشابه موضوع الأزمتين في خلق زخم سياسي حول ترمب في إطار التمهيد للانتخابات الرئاسية المقبلة".

يتفق أستاذ العلوم السياسية تراوجوت مع بيتمان في أن "الكشف عن تلك الحقائق يمنح ترمب والجمهوريين فرصة لمهاجمة بايدن وكذلك لمحاولة التقليل من تصرفات ترمب باعتبارها حدثاً شائعاً".

في حين ذهب كاميرون بعيداً باعتقاده أن "التحقيق مع بايدن في نفس الجريمة يجعل الملاحقة السياسية لترمب تبدو غير مرجحة، خاصة مع زعم الأخير المستمر، أن التحقيق الموجه إليه له دوافع سياسية بحتة".

ومع ذلك، رأى كاميرون أن "الجمهوريين الحزبيين يريدون رؤية بايدن متهماً بإساءة التعامل مع أسرار الدولة، وستشعر الصحافة بأنها مضطرة للإبلاغ عن كل التفاصيل حول وضع بايدن، مما سيجعله يبدو سيئاً حتماً".

وزاد: "لكن قد تحاول الصحافة أن تكون أكثر حذراً مما كانت عليه مع التغطية المتطرفة للبريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون، والتي ربما كلفتها الانتخابات الرئاسية"، في إشارة إلى استخدام هيلاري كلينتون أثناء فترة توليها منصب وزيرة الخارجية الأميركية، بريداً إلكترونياً شخصياً في الاتصالات العامة الرسمية بدلاً من استخدام حسابات البريد الإلكتروني الرسمية لوزارة الخارجية والمحفوظة على خوادم فيدرالية رسمية.

ويعتقد دورنان أن ما حدث "قد يصب في مصلحة ترمب السياسية رغم تعامله مع هذا بشكل أسوأ بكثير مما فعل بايدن.. لن يمتنع  ترمب عن قول إنه وبايدن متساويان في ارتكاب كلتا الجريمتين".

مستقبل سياسي "على المحك"

وفي الوقت الذي ارتفعت فيه شعبية الرئيس بايدن للمرة الأولى خلال فترة رئاسته، ظهرت قضية الوثائق السرية لتضع البيت الأبيض في حرج سياسي كبير قبل انتخابات الرئاسة 2024. 

وأرجعت نتائج مسح أجرتها قناة "سي إن بي سي" CNBC مع شركة "سيرفي مونكي" (SurveyMonkey) خلال الربع الرابع من عام 2022، الزيادة الطفيفة في نسبة تأييد بايدن منذ أغسطس الماضي، إلى انخفاض أسعار الغاز وتحقيقه بعض الانتصارات التشريعية الرئيسية، وتباطؤ التضخم.

ويعتقد أستاذ السياسة والشؤون العامة كاميرون أن تلك القضية "قد تضر بفرصة دخول بايدن السباق الرئاسي مرة أخرى"، مؤكداً لـ"الشرق" أن "الأمر يعتمد على مدى سوء الحقائق، ومدى شدة التغطية الصحفية، ومدة استمرار الفضيحة، ومدى الضرر الذي تسببه له مع الجمهور، إذ أنه ليس رئيساً يحظى بشعبية، لذا بشكل عام  لا يمكنه أن يكون سعيداً جداً في الوقت الحالي".

ويتفق تراجوت مع ما يقوله كاميرون، إذ اعتبر أنه "حتى اللحظة واستناداً إلى الحقائق كما هي مطروحة، ليس للأزمة تأثير على قرار ترشح بايدن لمدة تالية، أو فرص نجاحه في حال قرر الترشح، أما إذا كشفت العملية أن هناك قضايا قانونية خطيرة معنية، فمن المحتمل أن تقضي على فرصه في السعي لولاية ثانية، وتضع مستقبله السياسي على المحك".

في حين اعتبر بيتمان أنه من السابق لأوانه معرفة "كيف سيؤثر ذلك على فرص ترشح بايدن للرئاسة"، مضيفاً لـ"الشرق" أنه "إذا تم فتح تحقيق قانوني، وإذا بدا أن قضيتي بايدن وترمب متشابهة جوهرياً، فسيؤدي ذلك بالتأكيد إلى إضعاف الرئيس قليلاً".

وزاد: "لن أتفاجأ إذا كان بايدن وحلفاؤه قادرين على القول إن هذا يختلف جوهرياً عما فعله ترمب، نظراً لأن معظم الروايات كان ترمب معارضاً إلى حد ما لتسليم المستندات التي تنتمي إلى الولايات المتحدة وربما أخفى حقيقة أنه لا يزال يمتلكها، ولكن ربما لا. إنها بالتأكيد ليست أخباراً جيدة للرئيس".

في الوقت نفسه، يتبنى الخبير الاستراتيجي الجمهوري جيم دورنان نظرية المؤامرة في ذلك الأمر، وقال " في الواقع، هناك شائعات بأن هذا الأمر تم تسريبه للصحافة من قبل نشطاء الديمقراطيين للضغط على بايدن لعدم الترشح للسباق الرئاسي المقبل".

أخبار مصر

عربي ودولي