تداعيات حرب أوكرانيا.. سياسات الطاقة الأوروبية تدفع القارة العجوز نحو الهاوية

06 ديسمبر, 2022 07:54 صباحاً
أخبار الغد

أن تأتي متأخرا أفضل من ألا تأتي أبدا.. يجب أن يكون هذا هو الاستنتاج بعد قراءة أحدث مقال نشرته مجلة "الإيكونوميست" الأسبوع الماضي حول كيفية "تجمد" أوروبا.

يكمن قلق المجلة في أن القارة "تواجه أزمة طاقة ستضعفها وتهدد مكانتها العالمية"، في حين أن "الضغط الاقتصادي الوحشي سيشكل اختبارًا لمرونة أوروبا في عام 2023 وما بعده".

كان هذا الأمر واضحًا بالفعل منذ أشهر، لكن مع دخول فصل الشتاء، بدأت وسائل الإعلام الغربية تسلط الضوء على تفاقم الأزمة.

وتؤكد المجلة أيضًا على المخاوف بشأن إعادة تشكيل نظام الطاقة العالمي، وتنامي الشعبوية، والأنانية الاقتصادية الأمريكية، والانقسامات الجيوسياسية، باعتبارها عوامل تهديد خطيرة للقدرة التنافسية طويلة المدى للاتحاد الأوروبي والدول غير الأعضاء، بما في ذلك بريطانيا، مشيرةً إلى أن "التداعيات السلبية لا تقتصر على الشق الاقتصادي فحسب بل على تماسك التحالف عبر الأطلسي أيضًا".

وحاليا، تفرض الولايات المتحدة سعرا مرتفعا على أوروبا مقابل إمدادات الغاز الطبيعي المسال، مما يجعل الدول الأوروبية تشعر بالسخط خاصة مع سياسات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، وحزمة إدارة "بايدن" للإعانات الخضراء البالغة 369 مليار دولار في ظل التضخم.

وأدى ذلك إلى تصعيد التوترات بين ضفتي المحيط الأطلسي. وفي مثل هذه الظروف، فإن القدرة التنافسية للاقتصاد الأوروبي قد تتعرض للخطر.

خطر كبير

وتظل أزمة الطاقة على رأس أولويات أوروبا، حيث تشير أحدث بيانات لمنظمة التعاون والتنمية إلى أن نصيب الدول الأعضاء من إجمالي الناتج المحلي الذي يتم إنفاقه على طاقة الاستخدام النهائي يبلغ 18% تقريبًا، أي ضعف ما كان عليه في عام 2020. كما تحذر التوقعات من وجود خطر كبير يتمثل في أن احتياطيات الغاز في أوروبا ستكون أكثر محدودية في الشتاء المقبل.

ووفقًا لنموذج "الإيكونوميست" نفسه، فإن ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 10% يرفع معدل الوفيات بنسبة 0.6% في الشتاء. ومن ثم فإن أزمة الطاقة هذا العام يمكن أن تؤدي إلى أكثر من 100 ألف حالة وفاة إضافية لكبار السن في جميع أنحاء أوروبا.

ولإعطاء فكرة عن حجم الأزمة، قدرت وكالة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عدد القتلى المدنيين في أوكرانيا بعد 9 أشهر من الحرب بنحو 6600.

ولحسن الحظ، تمكنت أوروبا من ملء مستودعات الغاز الخاصة بها للشتاء القادم، لكن تم تحقيق هذا الهدف من خلال زيادة قدرها 40% في واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي (نعم.. الروسي) بين يناير/كانون الثاني وأكتوبر/تشرين الأول، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ومن الصعب العثور على كلمة أفضل من "تراجيكوميدي" لوصف مثل هذا الموقف.

وتشير هذه البيانات إلى حماقة الاتحاد الأوروبي والخلل في مؤسساته؛ حيث دفعت الأسباب الجيوسياسية أوروبا إلى تنويع إمداداتها من الطاقة بعيدًا عن الغاز الروسي؛ من أجل تجنب الاعتماد على دولة استبدادية وخطيرة. لكن على صانعي القرار في الاتحاد الأوروبي الآن شرح المنطق وراء التخلي عن غاز الأنابيب الرخيص، والاتجاه إلى الغاز الطبيعي المسال المنقول بحراً، من نفس المورد.

وإذا كانت أوروبا مضطرة لاستمرار الاعتماد على الغاز الروسي، فلماذا تختار الخيار الأغلى؟، إنه وضع سخيف للغاية لدرجة أنه يقودني إلى التساؤل: بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، من الذي يعاقب من؟.

وقد يصل مسار الاتحاد الأوروبي لإيذاء الذات إلى محطة جديدة مع تحديد سقف سعري للنفط الروسي، والذي من المتوقع أن تتبناه بروكسل بعد 5 ديسمبر/كانون الأول. ويعد الهدف من هذه الخطوة هو تقليص إيرادات روسيا، لكن الوضع قد ينقلب ضد أوروبا. فلا أحد يعرف حقًا الآثار المحتملة لمثل هذا الإجراء على إمدادات النفط وسعره.

أوروبا وتنافض واشنطن

ومن الواضح أن إدارة "بايدن" ضغطت على الاتحاد الأوروبي لتخفيف سياسة العقوبات؛ لأن المزيد من الإجراءات يمكن أن تعطل أسواق النفط تمامًا وتزيد من حدة أزمة الطاقة.

ويجسد ذلك وضعًا مأساويًا آخر: الولايات المتحدة - التي حشدت العالم لتبني عقوباتها المتعلقة بإيران - تضغط الآن على الاتحاد الأوروبي لتجنب السير في نفس المسار على أوكرانيا.

وبينما تم تنشيط العلاقات السياسية عبر الأطلسي من خلال موقف قوي متماسك ضد روسيا، يمكن أن تتعرض العلاقات لضغوط شديدة إذا استمر عدم التكافؤ في تقاسم الأعباء الاقتصادية لحرب أوكرانيا.

وهذه هي الرسالة التي وجهها الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" خلال زيارته الرسمية لواشنطن هذا الأسبوع. كما نقل المستشار الألماني "أولاف شولتز" بالفعل رسالة أكثر حزما إلى واشنطن من خلال زيارة بكين برفقة كبار رجال الأعمال.

ورغم الضغط الأمريكي، فإن ألمانيا ليس لديها نية للانفصال عن الصين، وتبدو أكثر وعيًا بكثير من الولايات المتحدة - على حد تعبير مستشارها - بمراكز القوى الجديدة الآخذة في الظهور في عالم متعدد الأقطاب، لذلك تهدف إلى إقامة وتوسيع شراكات معهم جميعًا.

بعبارة أخرى، فإن رسالة "شولتز" إلى "بايدن" هي كما يلي: "إذا شعرت بأنني مضطر لقطع علاقة الطاقة مع روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا، فلا تفكر للحظة أنني سأشعر بالاضطرار لفعل الشيء نفسه مع الصين".

تلحق السياسات الاقتصادية الأمريكية وأزمة الطاقة الضرر بالاقتصادات الأوروبية لدرجة أنه حتى مجلة "الإيكونوميست" تدرك أن القارة "معرضة لخطر تراجع قدراتها التصنيعية".

ويبدو أن صناع القرار في بروكسل غير مدركين أنهم يركضون نحو الهاوية. ومن الواضح بالفعل أن أوروبا هي الخاسر الأكبر من الحرب في أوكرانيا.

ووفقًا لتقديرات البنك المركزي الأوروبي، يجب أن ينفق الاتحاد الأوروبي أكثر من 5 تريليونات يورو حتى عام 2030 للمضي قدمًا في التحول الأخضر، وتنويع إمدادات الطاقة، وسد الفجوة الرقمية، والوصول إلى مستهدفات الإنفاق العسكري الخاصة بالناتو.

ومن الصعب تخيل كيف ستتمكن أوروبا من إنجاز مثل هذه المهمة الهائلة في ظل هذه الأزمات المتعددة، التي وصفها وزير الخزانة الأمريكي السابق "لاري سمرز" بأنها "أكثر مجموعة من التحديات تعقيدًا وتباينًا وشمولا التي واجهناها خلال 4 عقود".

والحقيقة أن مسار أوروبا في إيذاء الذات يسير بأقصى سرعة.

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات