د. سعيد الشهابي .. يكتب

اليوم العالمي لحقوق الإنسان بين العمل الحقوقي والسياسي

05 ديسمبر, 2022 08:50 صباحاً
د. سعيد الشهابي
د. سعيد الشهابي

ناشط سياسي وصحفي بحريني

أخبار الغد

مع اقتراب اليوم العالمي لحقوق الإنسان يبدو العالم أقل تفاؤلا إزاء المنظومة الحقوقية التي رُفعت طوال ثلاثة أرباع القرن الأخير شعارا لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فبرغم جهود رواد تلك المنظومة والمتحمسين لها لا تبدو تلك الحقوق مصونة بالقدر المتوقع، كما لا يبدو منتهكوها أكثر عرضة للمحاسبة. بل ربما وجّهت القوى التي تحمست لها في البداية ضربة شبه قاضية لتلك المنظومة بسياساتها وأساليب تعاطيها مع «الأنظمة الصديقة». وبشكل تدريجي أصبحت أحيانا كثيرة عرضة للاستهزاء بعد أن تضاءلت فعاليتها ولم تتمكن من حماية ضحايا القمع السلطوي في أغلب البلدان، خصوصا المحكومة بأنظمة شمولية تمارس الاستبداد والقهر.


ومن المؤكد أن المسؤولين بمنظمة الأمم المتحدة وتفرعاتها خصوصا مجلس حقوق الإنسان سيكررون في ذلك اليوم خطاباتهم المتفائلة التي تؤكد أهمية المنظومة ودورها في حفظ امن البشر وحقوقهم، وسيكون لكلامهم وقع في أوساط كثيرة، وستعقد الندوات لمناقشة سبل تطويرها، وتُكتب المقالات وتُنشر التقارير لتأكيد ذلك. فالمناسبة لها موقع مهم في التاريخ البشري الحديث، فهو اليوم الذي أقرّت الأمم المتحدة فيه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948. لكن هؤلاء المسؤولين يشعرون في قرارة نفوسهم أن القمع السلطوي يزداد توسعا وشراسة واضطهادا، وأن ضحاياه تتصاعد أعدادهم، وأن دوائر الحرية تزداد ضيقا، وأن الحقيقة أصبحت أكثر تشوشا مع تغوّل دور المصالح الاقتصادية في عالم تتفاقم مشاكله الاقتصادية. فها هو الكيان الإسرائيلي يتوسع في قمعه، فلا يمر يوم بدون أن يزهق أرواح عدد من الفلسطينيين بدم بارد بدون أن يخشى ردة فعل قاسية حتى من الحكومات العربية التي ولج بعضها باب التطبيع معه من أوسع أبوابه.


فما قصة صعود المنظومة الحقوقية وهبوطها؟ ما الذي دفعها لترتقي السلم لتحظى بالاهتمام الدولي في فترة ما بعد الحرب ولتصل ذروة الاهتمام الغربي في ذروة الحرب الباردة، ثم لتتراجع في الوقت الحاضر حتى تصل إلى أسفل قائمة اهتمامات دول «العالم الحر»؟ قد يسعى بعض رواد العمل الحقوقي ومنظّريه لإنكار ذلك، ولكن ما تفسير الصمت المطبق على ما يتعرض له ضحايا الاحتلال في فلسطين ومعارضي الاستبداد في أقطار العالم العربي؟ كيف يمكن تبرير حصر النقاش حول ظاهرة اللاجئين الذين يخاطرون بأنفسهم في أعالى البحار بالوضع الاقتصادي ولا يتم نقاش الأسباب السياسية والأمنية التي تدفع هؤلاء للمخاطرة بأنفسهم؟ فحين تتفاقم الإعدامات في بعض الدول الحليفة للغرب ويقابل ذلك بالصمت، وعندما تضج المعتقلات بنازليها في بلدان حليفة أخرى، بينما يتواصل العمل الدبلوماسي بدون توقف، ما تفسير ذلك؟ الأمر المؤكد أن هناك ردة أخلاقية ومعنوية لدى الدول الغربية خصوصا الولايات المتحدة إزاء قضايا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهناك انكفاء على الذات لديها، وتوجه للابتعاد عن «العمل الجماعي».


وإذا كانت أزمة الحرب الأوكرانية قد أظهرت جانبا من العجز الغربي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، فإنها أكدت كذلك غياب الاستعداد للإنفاق المالي او التدخل العسكري الباهظ في مناطق الصراع. ومن المؤكد أن تجربة التحالف الأنكلو ـ أمريكي في إفغانستان والعراق وتداعياتها السياسية أصبحت رادعا لهذه الدول من التورط في بؤر الصراع الساخنة في الوقت الحاضر على الأقل. هذا التردد ينعكس على مجال حقوق الإنسان ليس في العالم الخارجي فحسب، بل حتى داخل «العالم الحر» نفسه. فهناك توجه مستمر لتقليص مساحة الحريات العامة ومنح أجهزة الأمن والشرطة صلاحيات أوسع، الأمر الذي يدفع منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام لإبداء القلق والسعي لوقف تداعي مستوى الحريات التي لم تكتسب إلا بعد تاريخ طويل من الصراع والنضال.

مع اقتراب اليوم العالمي لحقوق الإنسان يبدو العالم أقل تفاؤلا إزاء المنظومة الحقوقية التي رُفعت طوال ثلاثة أرباع القرن الأخير شعارا لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية

في الأيام القليلة المقبلة سيهرع وزراء خارجية الدول الغربية لحضور ما يسمى «حوار المنامة» الذي يعقد في البحرين سنويا بالتزامن مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان، وسيناقشون قضايا الأمن التي تهدد أمن المنطقة والعالم، وسوف يسهب هؤلاء في النقاش واللقاءات السياسية، ولكن سببا مهما يهدد أمن الشعوب لن يتم التطرق إليه: غياب الحريات العامة وانتهاك الحقوق في العديد من بلدان العالم العربي، ومن بينها البلد المضيّف. وبينما تسابق هؤلاء للتباكي على حقوق العمال الأجانب الذين استخدموا لبناء المنشآت في قطر استعدادا لكأس العالم، لم يرفع أحد حتى الآن عقيرته للتلميح إلى معاناة شعب البلد الذي سيحلون ضيوفا على حكومته. هؤلاء السياسيون يفضّلون عدم استحضار كلام البابا خلال زيارته الأخيرة الشهر الماضي، ويرجّحون أن لا يُطلب منهم تذكير الدولة المضيّفة بالتوصيات الـ 257 التي أصدرها مجلس حقوق الإنسان الشهر الماضي خلال المراجعة الدورية لحقوق الإنسان في ذلك البلد. فلماذا هذه المفارقات الصارخة في التعاطي مع قضايا الشعوب؟


ألم يكن من الأجدى ترويج منظومة حقوق الإنسان من خلال إثارة أوضاع السجون في العديد من بلدان المنطقة؟ أليس مطلوبا من هؤلاء التحلي بقدر من الإنسانية ورفع الصوت عاليا للمطالبة بإخلاء السجون والإفراج عن المعتقلين السياسيين في السجون الإسرائيلية التي مضى على بعض السجناء الفلسطينيين فيها أكثر من عقدين؟ أو في البحرين التي يقضي في سجونها أكثر من 1300 سجين سياسي أغلبهم قضى قرابة الاثني عشر عاما وراء القضبان لأنه لانهم عبّروا عن مواقفهم السياسية وطالبوا بالإصلاح؟ مشكلة الساسة الغربيين أنهم يمارسون نفاقا سياسيا بدون حدود، فهم لا ينظرون للمنطقة بلحاظ مصالح شعوبها، او بمنظار أخلاقي وقيمي بل من منظورين أساسيين: اقتصادي وعسكري. فاهتمامهم الأكبر يتأسس على ضمان تدفق النفط بمعدلات وأسعار مناسبة، واستخدام أراضي بلدان المنطقة لبناء القواعد العسكرية بهدف ترجيح الكفة العسكرية لحلف الناتو في مواجهة روسيا والصين بشكل خاص. كما يضعون أمن الاحتلال الإسرائيلي على قائمة اهتماماتهم السياسيةز ولذلك يرون في طرح قضايا حقوق الإنسان ضررا على هذين البعدين.


وتأسيسا على ما سبق يمكن طرح بعض المؤشرات على المتاعب التي يواجهها النشطاء السياسيون في المنطقة. فقد أدرك الكثيرون منهم أن المنظومة الحقوقية طرحت لأهداف سياسية بحتة ولم تنطلق من اعتبارات إنسانية إلا بشكل هامشي. فقد استُدرج الكثير من السياسيين بعيدا عن العمل السياسي، وأصبح الكثير منهم يفضل وصفه بـ «الناشط الحقوقي». وبهذا تراجعت الضغوط الكبيرة التي مارستها الشعوب من أجل التغيير خصوصا في إطار «الربيع العربي». فلم تعد أنظمة الاستبداد والقمع تخشى من ضغوط سياسية من جانب حلفائها في الغرب. أما في الجانب الحقوقي الذي توسعت دائرة العمل فيه، فقد تفتقت عبقرية الخبراء الغربيين عن فكرة جهنمية قدموها لأنظمة الاستبداد الحليفة لهم: واجهوا معارضيكم بالوسائل الحقوقية التي يستخدمونها ضدكم. وفجأة تأسست منظمات حقوقية حكومية في أشد البلدان قمعا، وأصبح هناك «الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان» و «مكتب التظلمات» وطرحت مقولات تهدف للتشويش وصرف الأنظار عن الانتهاكات التي تُمارس بحق سجناء الرأي وراء القضبان، منها «الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان».

وتحت هذا العنوان استطاعت هذه الانظمة استيعاب بعض من كانوا نشطاء حقوقيين ووظفتهم ضمن هذه المؤسسات برواتب عالية، وأصبحت هذه المؤسسات الحقوقية الجديدة تمارس دور الدفاع عن ممارسات الحكومات بطرح صور مشوشة عما يجري في طوامير التعذيب. وقد أثّر الانغماس في المشروع الحقوقي على المشروع الأساس الهادف لتحقيق تغيير سياسي ينهي عقود الاستبداد والقمع، وتحوّل السياسيون إلى «نشطاء حقوقيين» وسقطوا بذلك في بئر سحيق يبعدهم تدريجيا عن مشروعهم السياسي ويستهلكهم في متاهات العمل الحقوقي الذي تخلى الغربيون عنه واستخدموه مصيدة للنشطاء السياسيين، وبذلك وفّروا حماية حقيقية لحلفائهم في المنطقة.


في اليوم العالمي لحقوق الإنسان مطلوبٌ جذب أنظار النشطاء لهذه الحقائق، وأن الانغماس فيها لن يقلل كثيرا من الانتهاكات، ولن يقضي على الممارسات الحاطة بالكرامة الإنسانية كالاعتقال التعسفي والتعذيب ومصادرة الحريات العامة وانتهاك حقوق المرأة. مطلوب من الراغبين في التغيير مراجعة الإنجازات والإخفاقات المترتبة على الانغماس في المنظومة الحقوقية، فلعل في ذلك عودة للمشروع الأساس المتمثل بالرغبة في تطوير الأداء السياسي في البلدان التي تعاني من الاستبداد والديكتاتورية والاضطهاد. فمن المستحيل حماية الحقوق في ظل الاستبداد. 

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات