مصالح مشتركة.. ماذا وراء صفقة الطائرات المسيرة الإيرانية إلى روسيا؟

04 ديسمبر, 2022 10:06 صباحاً
علي باكير وفاتح إبيك/ معهد دول الخليج في واشنطن
أخبار الغد

في يوليو/تموز، كشف مستشار الأمن القومي الأمريكي "جيك سوليفان" أن إيران تعمل على تقديم مئات الطائرات المسيرة لدعم روسيا في حربها في أوكرانيا، وتم دعم هذه المعلومات من خلال صور الأقمار الصناعية ومعلومات الاستخبارات التي تؤكد أن المسؤولين الروس زاروا مطار كاشان في إيران مرتين على الأقل خلال فصل الصيف لدراسة الطائرات الإيرانية التي كانوا يخططون للاستحواذ عليها قريباً.

ونفت إيران بشكل قاطع تزويد روسيا بالطائرات المسيرة، وأعلن وزير الخارجية الإيراني "حسين أمير عبد اللهيان" أن بلاده لم تقدم أي أسلحة لروسيا لاستخدامها في الحرب ضد أوكرانيا. وفي وقت لاحق، طلبت فرنسا وألمانيا وبريطانيا من الأمم المتحدة التحقيق في هذه القضية. وفي 8 سبتمبر/أيلول، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على العديد من الشركات الإيرانية المتورطة في إرسال الطائرات المسيرة إلى موسكو.

وبالرغم من الأدلة المتزايدة، واصل المسؤولون في إيران إنكار تورطهم في الحرب في أوكرانيا حتى أوائل نوفمبر/تشرين الثاني، عندما تراجعوا جزئيًا عن إنكارهم السابق وادعوا بدلاً من ذلك أن إيران زودت روسيا بالطائرات المسيرة قبل أشهر من الحرب.

وتؤكد المخابرات الأمريكية أن إيران أرسلت أيضًا ضباطا من الحرس الثوري إلى شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو لمساعدة روسيا على التغلب على بعض المشكلات الفنية المتعلقة بالطائرات المسيرة الإيرانية.

وبحسب ما أوردته التقارير؛ فقد تم استخدام 3 أنواع من الطائرات الإيرانية المسيرة في الحرب ضد أوكرانيا: "شاهد -131 " (سمتها روسيا جيران -1)، و"شاهد -136" (أسمتها روسيا جيران-2)، و"مهاجر-6".

ومن المفارقة أن أولئك الذين يدعمون الحكومة الإيرانية وأولئك الذين يعارضونها يميلون إلى المبالغة في تقدير قيمة وأهمية الطائرات المسيرة الإيرانية ولكن لأسباب وأهداف مختلفة. وتكمن بعض الدوافع خلف هذه المبالغة في المشاعر الوطنية والرغبة في تقليد نجاح الطائرات التركية المسيرة، أو في المقابل تحريض العالم على اتخاذ مواقف رادعة ضد أنشطة إيران.

دوافع إيران

وينبغي النظر بعمق أكبر في دوافع كل من إيران وروسيا بشأن صفقة الطائرات الإيرانية المسيرة. وقد أشارت العديد من التقارير إلى أن هذه الخطوة تنتهك قرار مجلس الأمن رقم 2231 لعام بالرغم من اختلاف التفسيرات لهذا القرار.

وظهر القرار كجزء من المقايضة بين إدارة الرئيس السابق "باراك أوباما" والحكومة الإيرانية خلال المفاوضات المتعلقة بخطة العمل الشاملة المشتركة. وأزالت الاتفاقية حظر الأسلحة التقليدية على إيران، والذي كان مستمرًا حتى أكتوبر/تشرين الأول 2020. وبناءً على ذلك، أصبحت طهران حرة في تصدير واستيراد الأسلحة التقليدية.

ولا يزال القرار يتضمن قيودًا على الصواريخ والتقنيات ذات الصلة حتى أكتوبر/تشرين الأول 2023، وترى بعض الدول الغربية أن الطائرات المسيرة تندرج تحت هذه القيود. وقد أوردت وسائل الإعلام مؤخرًا قرارًا بتغيير مكان تصنيع الطائرات المسيرة إلى روسيا في محاولة لتقويض أي مزاعم بشأن انتهاك إيران لقرار مجلس الأمن.

ومن خلال بيع الطائرات بدون طيار إلى روسيا، تهدف إيران إلى دفع مجموعة من المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية. ويساعد الانخراط في مبيعات من هذا النوع على التغلب على العزلة التي يواجهها البلدان، كما تفيد الصفقات في توسيع التعاون الاقتصادي.

أما على مستوى الدفاع، فيمكن لإيران استخدام أوكرانيا كساحة اختبار لصناعة الطائرات المسيرة الناشئة، كما إن مساعدة روسيا في هذا الوقت الحرج قد تفتح أبواب صناعة الدفاع الروسية لطهران لاستيراد الأسلحة المتقدمة في المستقبل.

علاوة على ذلك، قد تأمل إيران أن تؤدي مشاركتها في أوكرانيا إلى تحويل انتباه القوى الأمريكية والأوروبية عن أنشطتها في الشرق الأوسط. فمع انخراطها في ملف أوكرانيا، زادت إيران بشكل كبير من تدخلها في البلدان المجاورة، بما في ذلك العراق وأذربيجان، كما زادت من التهديدات للسعودية.

ومن غير المعروف ما إذا كانت إيران حصلت على مقابل من موسكو، بما في ذلك ما يخص برنامجها النووي، باعتبارها تكلفة التدخل في صراع أوكرانيا في لحظة من الضعف الروسي الحاد في ساحة المعركة.

دوافع روسيا

كان التفسير الأكثر شيوعًا حول ستيراد روسيا الطائرات الإيرانية المسيرة هو رغبتها في استبدال صواريخها كروز باهظة الثمن بأسلحة أرخص بكثير من شأنها تحقيق نفس التأثير المقصود في سيناريو الحرب المطول. ويشير ذلك إلى أن الطائرات المسيرة الإيرانية تم دمجها في ساحة المعركة لدوافع مالية في المقام الأول.

ومع ذلك، جادل بعض المحللين بأن موسكو تعتزم استخدام هذه الطائرات المسيرة لتدمير الدفاعات الجوية الأوكرانية وزيادة مستوى العنف بطريقة تكسر إرادة المقاومة الأوكرانية.

ولكن، فيما يتعلق بقدرات الطائرات المسيرة الإيرانية، فمن الواضح أن هناك فجوة كبيرة بين الدعاية الجذابة والأداء في ساحة المعركة. وعلى عكس الطائرات التركية المسيرة، فليس لدى الطائرات الإيرانية أي سجل مثبت على إنجازات في المعارك الحقيقية.

وبخلاف استخدامها كأداة تخريب لضرب أهداف ثابتة ومدنية وغير محصنة إلى حد كبير، فإنها لم تثبت فائدة استراتيجية في العمليات العسكرية. وباستثناء التقارير التي تشير إلى أن هذه الطائرات ضربت مرافق النفط السعودية في عام 2019 (على الرغم من أن إيران أنكرت رسميًا أن طائراتها المسيرة قامت بذلك)، فقد فشلت الطائرات الإيرانية على المستوى الإستراتيجي ولم تترك أي علامات ملحوظة في إثيوبيا والعراق ولبنان وأماكن أخرى.

وفي أوكرانيا على وجه الخصوص، ضربت الطائرات الإيرانية المسيرة وخربت إلى حد كبير البنية التحتية المدنية دون قيمة عسكرية كبيرة وتسببت في خسائر مدنية. وفشلت الطائرات الإيرانية المسيرة في مساعدة روسيا على تغيير اتجاه الحرب (بالرغم أن المحللين يعترفون بالأضرار الواسعة التي أحدثتها) مما دفع روسيا لتنفيذ تحولها الأخير إلى استراتيجية تعتمد على استخدام مجموعة من صواريخ كروز والطائرات المسيرة ذاتية التفجير لقطع الكهرباء والمياه الجارية عن ملايين الناس.

دور أكبر في المستقبل؟

بالرغم من التحول في الاستراتيجية الروسية، فقد تراجعت موسكو عن بعض ساحات العمليات الحيوية في شرق وجنوب شرق أوكرانيا. ومع ذلك، ففي ظل حرب استنزاف - حيث الهدف هو مساعدة روسيا على الاستمرار في الصراع - وفي ظل الأمل باستنفاد دعم الأسلحة الغربية باهظة الثمن لأوكرانيا، فإن الطائرات الإيرانية المسيرة التي يسهل نشرها، قد تلعب دورًا أكثر أهمية في الحرب .

وفي الوقت الحالي، يبدو أن أوكرانيا امتصت التأثير. ووفقًا للمسؤولين الأوكرانيين، فقد تم اعتراض ما يصل إلى 85% من هجمات الطائرات المسيرة. وأكد المتحدث باسم القوات الجوية في البلاد "يوري إينات" أن أوكرانيا أسقطت أكثر من 300 طائرة إيرانية من طراز "شاهد-136" (وهي طائرات انتحارية) حتى الآن.

ولا يعني ذلك أن الطائرات المسيرة الإيرانية لا تقتل؛ فمن الواضح أنها تفعل، ومعظم ضحاياها من المدنيين، لكنها بطيئة وصاخبة وتطير على ارتفاعات منخفضة، مما يجعلها ضعيفة للغاية وأهدافًا سهلة للدفاعات الجوية التقليدية.

ونشرت أوكرانيا أيضًا طائرات مسيرة في الصراع؛ فقد زودت أنقرة أوكرانيا بأسطول كبير من الطائرات المسيرة "TB2" قبل أن تبدأ الدول الغربية في إرسال الدعم العسكري لكييف لمواجهة الغزو الروسي.

وهاجمت الطائرات المسيرة التركية التي استحوذت عليها أوكرانيا خطوط الإمداد والدبابات وأنظمة الاتصالات الروسية والسفن البحرية والمروحيات وأنظمة الصواريخ أرض-جو والمركبات المدرعة وقاذفات الصواريخ والبنادق المضادة للطائرات والذخيرة والجنود.

ومع انطلاق الصراع، أعربت روسيا عن استيائها لتركيا بسبب مبيعاتها من الطائرات المسيرة إلى أوكرانيا وطلبت منها الحصول على بعض الطائرات التركية. ومع ذلك، أكدت شركة التصنيع "بايكار" أنها لن تبيع أسلحتها إلى روسيا بغرض الحرب في أوكرانيا بغض النظر عن مقدار الأموال التي يعرضها الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين".

وبالرغم أن إيران بدأت في برنامجها للطائرات المسيرة قبل تركيا ولديها الفرصة لدمج المزيد من المكونات الغربية في طائراتها المسيرة مقارنة بأنقرة (على الرغم من العقوبات)، فإن الطائرات الإيرانية المسيرة لا تزال متخلفة بكثير عن الطائرات التركية من حيث التطور والدقة والقدرات والتكامل في المهمة.

وسيكشف المستقبل عن المدى الذي ترغب إيران في الوصول إليه للاستفادة من الحرب في أوكرانيا لتحسين أداء طائراتها المسيرة لزيادة نفوذها وقوتها في الشرق الأوسط.

 

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات