د. سعيد الشهابي .. يكتب

زيارة البابا للبحرين بين الدين والسياسة

07 نوفمبر, 2022 11:23 صباحاً
د. سعيد الشهابي
د. سعيد الشهابي

ناشط سياسي وصحفي بحريني

أخبار الغد

عندما أعلن الفاتيكان أن البابا فرانسيس سيتوجه إلى المنطقة لحضور ملتقى يعقد في البحرين لمناقشة «الشرق والغرب من أجل التعايش الإنساني» كان ذلك أمرا مفاجئا تم التكتم عليه من الطرفين لأسباب لم يوضحاها. فقد جرت العادة أن يُعلن عن الزيارات البابوية قبل شهور من حدوثها. وعندما اعترض معارضون من البحرين على تلك الزيارة بدعوى أن أوضاع البلاد السياسية مضطربة وأنها تعيش حالة طوارئ غير معلنة، وأن الزيارة ستكون دعاية للحكومة، وأن مقوماتها ليست متوفرة برر مسؤولو الفاتيكان الزيارة بأنها ضرورة حسب تقدير البابا نفسه، وأنها مناسبة لإثارة القضايا التي تعصف بالبلاد مع حكومة البحرين، وأن ذلك من ضمن توجهات الفاتيكان للتفاعل مع المنطقة وقضاياها.


ولم يكن مستغربا أن تتعاطى الدولة مع الزيارة بحماس كبير باعتبارها «إنجازا» سياسيا لحكومة تواجه أزمات محلية وإقليمية. ولم يُخف مسؤولو الحكومة غبطتهم بالزيارة التي أعدوا لها وأشادوا بها كثيرا في تصريحاتهم، واعتبروها تأكيدا لما يعتبرونه «استقرارا» سياسيا وأمنيا، وشهادة حسن سلوك من جانب السلطة الدينية العليا لأوسع الأديان انتشارا. فالمسيحية هي أكبر ديانة في العالم إذ يعتنقها 2.2 مليار شخص أو 31.5 في المئة من سكان العالم. وتمثل الكنيسة الكاثوليكية ما يصل إلى 50 في المئة من ذلك الإجمالي. ويعتبر المركز البابوي عنوانا لسلطة دينية يتمنى حكام العالم التقرب منها وكسب ودها.


ولا يمكن إنكار دور الفاتيكان في ترويج الحوار الديني في العالم منذ أكثر من ثلاثين عاما. وعندما زار البابا العراق والتقى بالمرجع الديني السيد علي السيستاني اعتبر ذلك تتويجا لجهود التقريب التي كانت قد بدأت باللقاءات العديدة مع شيخ الأزهر.


برغم اللغط الكبير حدثت الزيارة وحضر البابا مؤتمر المنامة الذي حضره شيخ الأزهر أيضا. ولكن البابا لم يستطع مقابلة أكبر مرجع ديني في البحرين، الذي أبعدته السلطة في العام 2018. لقد كان الشيخ عيسى أحمد قاسم رمزا دينيا ووطنيا، فقد كان من المشاركين في وضع أول دستور للبلاد بعد الانسحاب البريطاني، وكان أحد أقطاب المجلس التأسيسي الذي انتخب أعضاؤه في العام 1972، ثم رئيسا لما عرف يومها «الكتلة الدينية» في المجلس الوطني الذي انتخب اعضاؤه في العام 1973. مع ذلك لم يحظ بالمعاملة اللائقة به، بل حوصر منزله قرابة العشرين شهرا قبل اقتحامه من قبل قوات الامن التي قتلت في مايو/ايار 2017 ستة من الشباب على أعتابه. وهناك العشرات من علماء الدين الذين يرزحون وراء القضبان منذ أكثر من عشرة أعوام. في هذه الأجواء عقد مؤتمر الحوار المذكور في غياب علماء البلاد إما بالإبعاد القسري أو السجن.


هذه الأبعاد المحلية والأهداف المحدودة لدعاوى الحوار الديني ومقولات التسامح والتعايش، إنما تخفي أهدافا أخرى غير معلنة نظرا لحساسيتها ودورها في صياغة واقع سياسي في المنطقة بمعطيات أمريكية ودعم غربي غير محدود. من هذه الأهداف ما يلي:


أولها: بث مقولات تتمحور حول «الديانة الإبراهيمية» التي رفضها الأزهر والكنيسة معا لأنها تدعو لإلغاء الديانات ومزج الأديان في دين واحد. هذا الطرح ظاهره مقبول وخفاياه مريبة. فمن وجهة النظر الإسلامية فإن جوهر الأديان توحيد الله سبحانه وتعالى الذي بعث الأنبياء والرسل لهداية الناس إلى الطريق إلى الله «إن الدين عند الله الإسلام». ولكن هناك اختلافات بين الأديان لا يحق لأحد إلغاؤها.

تصريحات البابا أمام ملك البحرين ونجله الأسبوع الماضي بداية جيدة إذ استقبل سفراؤه ضحايا القمع السلطوي واستلموا منهم تقارير حول الاضطهاد

وفي العقود الاخيرة تكثفت دعوات الحوار الديني وعقدت المؤتمرات وجرى تبادل الزيارات. ولكن عندما يتم تسييس الدين لخدمة أهداف سياسية فإن هذه الدعوات تثير الشبهات كثيرا. المسلمون وعلماؤهم يحترمون الأديان الأخرى كالمسيحية واليهودية ولا يدعون لاستهداف الآخرين لأن ذلك مضر بالسلم العالمي الذي يروجه الإسلام. ولكن حين يكون الدين سلاحا لدعم الاستبداد أو إضفاء شرعية على الاحتلال أو تجاوز معاناة المتضررين من ذلك فإنه يصبح وسيلة للتضليل يزيد من تراكم الجريمة والعدوان.


ثانيها: إن أطروحة الديانة الإبراهيمية ارتبطت وتزامنت مع مشروع التطبيع الذي ترعاه الولايات المتحدة وتستخدم شتى الوسائل لفرضه على المنطقة. هنا يستغل الدين لخدمة هدف سياسي واضح، بدون أن يستفاد من تعليمات الدين لتجريم العدوان أو دعم المظلومين. هذه الحقيقة كانت واضحة لدى المرجع السيستاني عندما زاره البابا قبل عامين. فبعد اللقاء أصدر مكتبه بيانا تطرق لمعاناة الشعوب «خصوصا ما يعاني منه العديد من شعوب منطقتنا من حروب وأعمال عنف وحصار اقتصادي وعمليات تهجير وغيرها، ولا سيما الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة». فما من عالم دين أو شخص ملتزم بالتعليمات السماوية، أيا كان دينه، يحق له أن يستخدم الدين لتمرير مشروع جائر كالاحتلال، وإن من الخطر بمكان طرح توحيد الأديان ليكون طريقا لاحتضان المحتلين والظالمين والمستبدين أو التماهي معهم.


ثالثها: إن طرح الديانة الإبراهيمية لم ينطلق من الكنائس أو المساجد أو المعابد بل من أصحاب القرار السياسي في الغرب، وبالتحديد أمريكا. وليس معروفا بشكل واضح مدى دور البابا في إطلاق المشروع، ولكن الأمر المؤكد أنه لم يعارض الفكرة.


رابعها: إن تحركات الفاتيكان في السنوات الأخيرة لا يمكن فصلها عن تأثير الدوائر الخاضعة للتأثير الصهيوني الهادف للالتفاف على الحقائق والقيم بسياسات تتسم بالتذاكي وتجاوز الحقيقة، واحتضان الحكومات التي التحقت بمشروع التطبيع. ولا يمكن فهم زيارته الأخيرة للبحرين وقبلها الإمارات (فبراير 2019) إلا ضمن ترويج مشروع التطبيع ومكافأة من يحتضنه.


من الصعب إصدار حكم نهائي على دور الكنيسة في ترويج المشاريع السياسية الغربية، خصوصا في ظل ما تقدمه من خدمات لملء الفراغ الروحي في المجتمعات الغربية التي تعاني منه كثيرا، وما تروّجه من قيم التسامح والحوار، ولكن من السذاجة بمكان السماح للإسهامات الإيجابية بالتعتيم على الجوانب السياسية التي ما برحت مرتبطة بالمشروع الغربي للهيمنة على العالم. وتجدر الإشارة إلى مشاعر شعوب القارة الافريقية تجاه روما، واعتقادها بان السياسات البابوية ماضيا ساهمت في توسع نفوذ الاستعمار وتوسع دائرة العبودية والتمييز العنصري كما حدث في جنوب أفريقيا وروديسيا (زيمبابوي حاليا). ومن جانب آخر يجدر استحضار ظاهرة التمرد من داخل الدوائر الدينية على ذلك الدور، كما حدث في الثمانينيات في دول أمريكا اللاتينية. لاهوت التحرير ظهر رسميا في أواخر ستينيات القرن الماضي مع المؤتمر الكنسي الثاني لأساقفة أمريكا اللاتينية بمدينة مِدِلين في كولومبيا عام 1968، حيث أصدر الأساقفة في هذا المؤتمر وثيقة تؤكد على حقوق الفقراء، وتقول إن الدول الصناعية الكبرى قد اغتنت على حساب دول العالم الثالث. وفي التسعينيات حاولت الكنيسة الكاثوليكية بشخص البابا يوحنا بولس الثاني الحد من تأثير الحركة وذلك عن طريق تعيين أساقفة أكثر تحفظا في البرازيل وفي دول القارة الأخرى. وسبق ذلك فضيحة مصرف امبروزيانو، ثاني أكبر مصرف إيطالي، الذي كان للفاتيكان علاقة به. وهناك أيضا الفضائح الأخلاقية التي عصفت بالكنيسة الكاثوليكية عبر عقود عديدة خصوصا في الملاجئ التي كانت تؤوي الأطفال المنبوذين وذوي العاهات العقلية.


هذه الاعتبارات يدركها البابا جيدا، كما يعرفها مضيّفوه عادة. مع ذلك يبدو ان الزمن تجاوز الكثير منها واستعاد بابا الفاتيكان دوره السياسي ومكانته في نفوس الكثيرين خصوصا أتباع الديانة الكاثوليكية في أرجاء العالم. ولكي تتكامل مصداقية الفاتيكان، كمرجعية روحية لأكثر من مليار إنسان، فانه مدعو للقيام بدور بارز في دعم المظلومين في العالم، والتصدي للاحتلال والاستبداد. ويجب الاعتراف بأن تصريحات البابا أمام ملك البحرين ونجله الأسبوع الماضي بداية جيدة فقد استقبل سفراؤه ضحايا القمع السلطوي واستلموا منهم تقارير حول الاضطهاد، وبعث ذوو المحكومين بالإعدام استغاثات تحث البابا على التدخل لإنقاذ الضحايا من مقاصل الإعدام وإطلاق سراح السجناء السياسيين. وقد شجعت تلك الاستغاثات البابا للدعوة لوقف الاعدامات واحترام حقوق الإنسان وتطبيق المساواة بين المواطنين والتخلي عن الاضطهاد، بطريقة أزعجت مضيفيه، وربما جعلتهم يأسفون لدعوته واستقباله. إنها رسائل ايجابية لن تكتمل إلا بإعلان مواقف واضحة من الاحتلال واضطهاد الشعوب الأصلية المضطهدة. 

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات