يطالب بإلغاء حبس الأطباء.. جدل حول قانون المسؤولية الطبية في مصر

15 اكتوبر, 2022 10:50 صباحاً
الجزيرة
أخبار الغد

أعد محمد الجرعة العلاجية المطلوبة، وشرع في حقن المريض المسن الواقف أمامه في الصيدلية مادا ذراعه في اطمئنان وثقة، قائلا لمن حوله "الدكتور يده خفيفة، فهو أفضل من يعطي الحقن في المنطقة كلها"، ثم ضم ذراعه مبتسما بعد أخذ الحقنة.

حدث ذلك بعد يومين من قرار نقابة الصيادلة في مصر بمنع حقن المرضى في الصيدليات، الذي أعقب واقعة وفاة طفلتين نتيجة حقن في صيدلية.

يلقي محمد -وهو صيدلي- السرنجة (المحقن) في سلة المهملات، ثم يقول "قرار النقابة بمنع الحقن قديم، يتجدد كل فترة عقب كل مصيبة يُتهم فيها الصيدلي ظلما".

يعتبر محمد -الذي فضل الحديث للجزيرة نت كاشفا عن اسمه الأول فقط- أن ما يفعله، بمخالفة القرار، خدمة وتيسير لزبائنه المرضى، مضيفا أن "الأمر لا مصلحة للصيدلي من ورائه، لا مكسب من وراء الحقن، فقط سعر الجرعة، وهي مبيعة للمريض على أي حال".

والحقن التي يتجنبها الصيدلي عادة هي حقن البنسلين تفاديا للصدمة، حسب محمد، وغير ذلك لا مشكلة فيه، ومعظم المرضى يفضلون الحصول على الحقن في الصيدليات، أو شراء دواء معروف بناء على وصفة من الصيدلي، توفيرا للوقت والجهد والمال أيضا.

وسقط قبل أيام ضحايا جدد نتيجة الحقن داخل الصيدليات، لينضموا إلى طابور طويل من ضحايا المنظومة الطبية إهمالا أو خطأ، وهذه المرة كان الضحايا طفلتين بمنطقة مينا البصل بالإسكندرية (شمال)، توفيتا عقب قيام صيدلانية بحقنهما بمضاد حيوي.

الصيادلة متهمون وحدهم

تشير التحقيقات الأولية إلى أن الحقنة كانت مجرد مضاد حيوي ولا مشكلة فيها، حسب مصادر طبية، وإحدى الحقنتين كتبها الطبيب في الوصفة العلاجية، بينما كانت الأخرى بديلا عما كتبه الطبيب ولكن تحتوي على المادة الفعالة نفسها، المتهمة أحيانا بالفساد بسبب رداءة الإنتاج أو سوء التخزين.

يذكر عماد عادل -وهو موظف بإحدى شركات توزيع الدواء- حادثة وقعت قبل عام أدت لوفاة مريضة بحقنة تنتج مادتها الفعالة شركتان متنافستان باسمين مختلفين، ويشرح -في حديثه للجزيرة نت- دوافع تحميل المسؤولية للمنتَج، بالقول إن "إحدى الشركتين حاولت استثمار الواقعة لضرب المنتج المنافس، بإشاعة أن سبب الوفاة هو ذلك المنتج".

من جهتها، قالت نقابة الصيادلة بالإسكندرية -في صفحتها على فيسبوك- إن الصيدلانية المتهمة يجب ألا تتحمل وحدها المسؤولية المشتركة للواقعة، حيث توجد أطراف أخرى، منها الشركة المنتجة والموزعون المسؤولون عن التخزين، وكذلك الطبيب المعالج.

وبالتوازي مع تحقيقات النيابة التي قررت حبس الصيدلانية احتياطيا على ذمة التحقيقات، قررت نقابة صيادلة الإسكندرية فتح تحقيق رسمي في الواقعة، ولفت بيان للنقابة، صدر قبل يومين، إلى تحركات "للكشف عن التفاصيل كافة، وعدم إلقاء المسؤولية على الصيدلانية وحدها".

وقال بيان للنقابة العامة للصيادلة إن "سبب الوفاة لم يكن بسبب طريقة الحقن، حسب المثار إعلاميا"، نافيا اتهامات الصيادلة بعدم الدراية بطريقة إعطاء الحقن، و"الملاحظ في الآونة الأخيرة ازدياد ردات الفعل التحسسية من بعض أنواع المضادات الحيوية المتداولة منذ سنوات طويلة، بالتزامن مع انتشار الأدوية المغشوشة والمعاد تدويرها، التي تنتج في مصانع غير مرخصة".

وطالب البيان بالتصدي رقابيا لهذه الظاهرة، خاصة أن الضحية دائما يكون الصيدلي لكونه المتعامل المباشر مع المريض.

اختصاصات معروفة

وقال نقيب صيادلة القليوبية وعضو مجلس النقابة العامة للصيادلة سابقا، أحمد رامي، إن قضية اختصاص وصف وإعطاء الدواء حسمها العالم تماما، بأن هناك أدوية يحق للمريض طلبها مباشرة من الصيدلية، وهناك أدوية يصرفها الصيدلي بوصفة محددة، وأدوية لا يصرفها إلا بوصفة طبيب، ولكن المشكلة أن القطاع الصحي يدار بعشوائية ولا تراعى فيه مصالح الأطراف كافة سواء مقدم الخدمة أو متلقيها.

وأكد رامي -في حديثه للجزيرة نت- أن القوانين تتوسع في وضع المزيد من الفئات تحت طائلتها، لإحكام الضبط، وهو ما يبدو في غير الصالح العام أحيانا.

وبدا من تصريحات متفرقة لأعضاء بمجلس نقابة الصيادلة أنهم يحاولون هذه المرة انتزاع حقوق للصيادلة "ما دام جرى الاجتراء عليها"، وفق مصدر بمجلس النقابة، خصوصا في ظل مناقشات تجري الآن حول قانون جديد يخص المسؤولية الطبية يستهدف حماية العاملين في المجال الطبي عند سقوط ضحايا على أيديهم في أثناء ممارستهم لعملهم، لا الاكتفاء بمنع واحد من اختصاصات الصيدليات وهو الحقن.

وحسب المصدر الذي تابع -متحدثا للجزيرة نت- "ندرك عدم واقعية قرار الحظر، حيث يتجاوزه معظم الصيادلة بدوافع إنسانية ومهنية؛ لذا فالنقابة تسعى لتقنين ضوابط الحقن بالصيدليات".

وهاجم المصدر -الذي فضل عدم ذكر اسمه- الاتجاه السائد عادة بالنظر للصيدلي على أنه مجرد بائع أدوية، أو بتعبير أطباء "بقّال ويسمى دكتور"، على حد قوله.

وشدد على أنه آن الأوان لوضع حد لهذا الاتجاه، وإعادة الاعتبار للمهنة بما هو معروف عن أصولها المطبقة خارج مصر، وتحديد الحدود الفاصلة بين دور الطبيب ودور الصيدلي، بما يسمى "الصيدلة الإكلينيكية".

 

اتهامات متبادلة

وتشيع في الوسط الطبي بين بعض الأطباء وبعض الصيادلة اتهامات متبادلة بشأن "بزنس كتابة الدواء"، إذ يتهمان بعضهما بعضا بأنهما يحاولان الافتئات على حق كتابة الدواء ترويجا لأدوية معينة يجري الاتفاق عليها بين الطبيب أو الصيدلي مع الشركة المنتجة، على حساب منتج آخر.

وفي حين يتهم صيادلة أطباء بتعمد كتابة أسماء أدوية لشركات تستضيفهم في مؤتمراتها بمقابل مادي كبير، يقول أطباء إنهم يضطرون لتحديد اسم الدواء خشية ترك المريض عرضة لأدوية يحددها له عامل بصيدلية لا يقف بها صيدلي، حيث يتولى أحيانا موظفون بالصيدليات عمليات البيع نيابة عن الصيادلة في أوقات غيابهم عنها، وخصوصا أن كثيرا من الصيدليات مجرد لافتات بأسماء صيادلة لقاء مبلغ مادي من دون حضور فعلي، بينما يملكها ويديرها ويعمل بها غير مختصين.

بنبرة أسى، ينتقد قطب -وهو صيدلي شاب- أوضاع الوسط الطبي عموما، معربا عن إحباطه من دوره الذي آل إليه عقب تخرجه منذ عامين، بمجرد صرف وبيع الأدوية، وكان قديما يرى والده، وهو صيدلي أيضا ومدير صيدلية بأحد المستشفيات الحكومية، يراجع الطبيب الذي كتب الدواء للمريض ويعدل معه مقدار الجرعة المطلوبة.

أما في الصيدلية الخاصة -حيث يعمل- فالمريض يرفض أخذ الدواء البديل، ولو كان يحتوي على المادة الفعالة نفسها، ويصر على البحث عما كتبه الطبيب بالتحديد، وفقا لقطب في حديثه للجزيرة نت.

 

قانون المسؤولية الطبية

وتقدمت عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، سارة النحاس، بطلب إحاطة للمسؤولين بشأن "تجاهل الجهات المسؤولة لمساءلة الأطراف المعنية كافة في وفاة الطفلتين، وعدم الاقتصار فقط على محاسبة الصيدلي"، لافتة في عدة منشورات متتابعة على صفحتها الشخصية بموقع فيسبوك إلى مناقشات تجري بالبرلمان بشأن قانون لحماية الأطباء والعاملين في المهن الطبية عند ممارستهم واجبهم، للاكتفاء بالغرامة بديلا عن الحبس حال وقوع خطأ أو سقوط ضحية".

ذلك نفس ما أكده بيان لنقابة الأطباء صدر قبل أيام أن "الأهم من صدور قانون للمسؤولية الطبية أن يكون شاملا كل الأمور التي تعالج مشكلات الواقع معالجة حقيقية وعادلة".

وطالب البيان بإلغاء عقوبة الحبس في قضايا الضرر الطبي إذا توافرت شروط الترخيص للطبيب والمستشفى للإجراء الطبي وإقرار تعويض مادي للمريض تبعا لدرجة الضرر، وتأمين إجباري للأطباء ضد أخطاء المهنة تسهم جهة العمل بنسبة من تكاليفه.

وتقدمت الحكومة بمقترحات جديدة -الأربعاء الماضي- طلبت فيها أن يتضمن القانون إلزام المريض بتوقيع وثيقة تبين مخاطر وتداعيات ما سيقدم عليه الطبيب أو الصيدلي.

 

واقع بالفعل

يرى ذوو مرضى مروا بأزمات صحية بالمستشفيات أن التعديل الخاص بوثيقة التعهد والإقرار معمول بها أصلا، إذ تجبر بعض المستشفيات المرضى وذويهم على التوقيع على إقرار للتنصل من المسؤولية حال وقوع مكروه للمريض.

وتروي سناء يحيى -وهي موظفة- كيف أجبرتها إدارة المستشفى على توقيع إقرار طويل، وحينما طالبت بحق ابنتها المتوفاة نتيجة إهمال في أثناء إجراء جراحة بالجهاز الهضمي، دفع محامي المستشفى هذا الإقرار للمحكمة.

وأضافت -في حديثها للجزيرة نت- أن "المستشفى عرض علينا تعويضا مقابل الكف عن التقاضي، طبعا لا أقبل مالا مقابل حق ابنتي، واقتراح الدية في القانون الجديد مرفوض، لأنه يسهم في استمرار المستشفيات في التساهل والإهمال".

وردت الحكومة على انتقادات الأطباء بتأخر صدور القانون بمبرر وجود 3 مشاريع لقوانين مقدمة من النواب، تتكامل وتصب كلها في صالح تحسين المنظومة الطبية ومراعاة العاملين فيها إلى جانب مصلحة المريض، لتناقَش مجتمعة في دور الانعقاد الثالث للبرلمان.

وخلال مناقشات القانون، سقط شاب من مدينة سرس الليان -إحدى مدن محافظة المنوفية (شمال)- متوفيا بعد تلقيه حقنة بنسلين بمستشفى المدينة من دون عمل اختبار الحساسية اللازم، حسب رواية أولية تلتها رواية أخرى تقول إنه مات في أثناء عملية جراحية، لينضم إلى سلسلة من المتوفين على أيدي أطباء في أثناء علاجهم بالمستشفيات، وتضج بقضاياهم جنبات المحاكم.

وضحايا الأخطاء الطبية من مختلف الطبقات الاجتماعية، ولكن تبرز قضايا المشاهير ونجوم فن.

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات