حكايات إحسان عبدالقدوس يقدمها : محمد عبدالقدوس

(منطق الزواج)

14 اكتوبر, 2022 08:02 مساءً
محمد عبد القدوس
محمد عبد القدوس

كاتب وصحفي مصري

أخبار الغد

والدي وحبيبي "إحسان عبدالقدوس" أو "سانو" وهو الاسم الذي أشتهر به داخل بيته وبين أصدقائه كان له أسلوب فريد في كتابة قصصه يتميز بها عن غيره سواء أكانت حكاية قصيرة أو رواية .. 

وإليك حكاية من حكاياته عنوانها "منطق الزواج" كتبها رحمه الله منذ أكثر من ستين عاما ونشرها في مجلة "صباح الخير" التي أصدرها مع والدته "روزاليوسف" وكانت في طليعة المجلات الإجتماعية في ذلك الوقت .. 

وتعالى معي لتقرأ حكاية تلك الفتاة التي تريد الزواج من حبيبها وهو يرفض ، ودارت بينهما مناقشة لا يقدر على تخيلها سوى كاتب واحد .. "إحسان عبدالقدوس " : 

قالت : تزوجني !
قال : وما الزواج ! قصاصة لا تغني .. وشيخ معمم .. وضجة زائفة !
قالت  : إني أغار عليك من بيت لست فيه معك .. ومن سرير لا يضمني إليك .. وساعات لا تعدها أنفاسي .. 
قال : تقولين بيتا ؟ أي بيت !! وما هو البيت ؟! أنحن كهؤلاء الناس نقيم حولنا الجدران !! إن بيتي هو السماء والأرض .. كل السماء وكل الأرض .. أتريدين أن نقيم جداراً حول السماء والأرض ؟! 
يا مجنونة .. إن بيتي حيث نلتقي .. وسريرنا حيث ننام .. يا مجنونة .. ما هذا الهراء .. ما هذا الذي تسمينه زواجا ؟
قالت : إن الزواج ثوب أبيض كعرش الطهر .. وطرحته بيضاء تكلل رأسي بتاج العفاف .. إنه حلم أعيش فيه معك منذ ألتقينا .. أنه الله والملائكة .. والقرآن والإنجيل .. أنه أولادنا .. أنه أنت وأنا نمد في عمر الحياة .. 
قال : يا ساذجة .. ما هو الطهر وما هو العفاف .. ألفاظ لها صليل القيود .. ورنين السلاسل ، ورهبة القضبان .. سجون يحشرون فيها البشر ، ثم يضحكون من عذابهم .. وتقولين : أحلامك .. ما حاجتك إلى الأحلام ، وأنت تعيشين في واقع جميل .. واقع يضمك إلي .. ثم تقولين : الله والملائكة .. لقد جمعنا الله منذ خلقنا رجلاً وامرأة ، ومنذ وصل بين قلبي وقلبك بالحب .. وتقولين : الأولاد .. والحياة .. يا غبية .. إذا كنا أثنين فلماذا تريدين أن نكون ثلاثة أو أربعة .. وإذا كانت لنا حياتنا فلماذا نصنع حياة للآخرين .. من قال لك أنك إله يصنع الحياة .. إنه غرور ممقوت .. غرور المرأة عندما تريد أن تصبح إلها خالقا ، فتخلق أولادا ليست في حاجة لهم ، ولا الحياة في حاجة إليهم .. صدقيني ، إن قلبك أبيض من ثوب الزفاف ، وحبك تاج يغنيك عن طرحة العروس .. وأنا .. الحياة !
قالت وهي تكاد تبكي : الزواج هو الناس .. هو المجتمع !
قال : أتتزوجين الناس .. كل الناس ؟! 
قالت : لا تهزأ .. إننا لن نكون بشرا إلا إذا تزوجنا ، هكذا أتفق البشر .. كل البشر .. 
قال : وإذا لم تتزوج ؟
قالت : نكون حيوانات .. إن الحيوانات لا تتزوج !
قال ساخراً وهو يضع يديه في جيب سرواله ، وسيجارته مدلاة بين شفتيه : ما ألطف أن نكون زوجين من القطط أو الحمام ، أو قردا وقردة .. ألا تعلمين أن الحيوانات أرقى من البشر .. إنهم لا ينافقون ، ولذلك لا يتزوجون !
قالت : يا حبيبي .. أنت جبان !! أنت تعيش خفية ولا تستطيع أن تواجه الناس بعيشتك .. وتحب خفية ولا تستطيع أن تواجه الناس بحبك .. أنت تسوق السيارة بلا رخصة وتعيش حياتك تهرب من رجال البوليس .. 
قال صارخاً : أنا .. أنا جبان .. هاتي كل الناس وأنا أواجههم !
قالت : إذن .. تعال !
وصحبته إلى المأذون ، ونظر إليها فاغرا فاه ، ثم قال : من هذا ؟
قالت : هذا هو الناس !
ووقع عقد الزواج .. 

أخبار مصر

عربي ودولي