عدو نعرفه: لماذا تلجأ مصر إلى قطر لتخطي الأزمة؟

06 اكتوبر, 2022 12:11 مساءً
مدى مصر
أخبار الغد

زار الرئيس عبد الفتاح السيسي في أوائل سبتمبر الماضي العاصمة القطرية الدوحة رسميًا، في أول زيارة من نوعها منذ توليه الرئاسة في 2014، وتتوج الزيارة التقارب المتصاعد بين الدولتين في خلال العام الماضي.

كانت الصورة الصحفية التي يتبادل فيها السيسي مع الأمير القطري تميم بن حمد الابتسامات في الدوحة أقرب للمستحيل منذ زمن ليس ببعيد. ففي أعقاب إطاحة القوات المسلحة بحكومة الإخوان المسلمين في 2013، تدهورت العلاقة بشدة بين البلدين. كانت قطر في معجم المشهد الصحفي المصري، والذي تسيطر عليه المخابرات العامة، جزءًا من «محور شر» يسعى إلى هدم استقرار مصر. ورغم حجب قناة «الجزيرة»، المنفذ القطري الأكبر للأخبار، عن مصر، واصلت حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي والبث التليفزيوني نشر تفاصيل يعتبرها الجانب المصري مهينة له.

لكن كل تلك العداوة تلاشت. وخلال الأشهر الأخيرة، تبادل الجانبان عددًا كبيرًا من الوفود التجارية، كما تقابل الحاكمان مرتين حتى الآن. وتتوقع مصادر حكومية مصرية أن الزيارات ستتزايد في المستقبل. وانتقل وصم الشر الذي ارتبط بقطر سابقًا إلى جماعة ما مبهمة، كما جاء في تحذير أحد الكتاب المصريين من «أهل الشر» الذين يحاولون «قتل صحوة هذه العلاقة، من أجل إبعاد الاستثمار القطري عن مصر».

ما الذي تغير ليصبح هذا التقارب ممكنًا؟

على مستويات عدة، فإن المحفز الأهم لهذه الانفراجة هي الأزمة الاقتصادية التي تواجهها مصر إثر صدمات متتالية، من انتشار جائحة كورونا إلى غزو روسيا لأوكرانيا، ودفع الأخير مستثمري سوق السندات في مصر إلى الهرب إلى أماكن أكثر أمانًا، مما أدى إلى فرض ضغط كبير على وضع مصر المالي، والتي تواجه التزامًا بدفع 18 مليار دولار أمريكي للديون في الربعين الأخيرين من 2022. وفي الوقت ذاته، تضاعفت تكلفة الواردات المصرية بجنون إثر موجة التضخم العالمية، ودفعت كل تلك العوامل مصر نحو أزمة حادة في أرصدتها من العملة الأجنبية.

لجأت مصر إلى عدة قنوات لمحاولة إيجاد مخرج من الأزمة الاقتصادية وتداعياتها السياسية، كان أولها الانخراط في مفاوضات ممتدة مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض تسهيل الصندوق الممدد، وهو برنامج التمويل الذي يقدمه صندوق النقد الدولي للبلدان التي تواجه مشاكل قوية في ميزان المدفوعات، يماثل ما وافقت عليه مصر في 2016، وعجّل بمجموعة من التدابير التقشفية.

ومع ذلك، طال أمد المفاوضات بينما يساوم الطرفان على عدة شروط، من ضمنها حجم الدين الخارجي لمصر، وإدارة قيمة الجنيه، ووقف دعم السلع الرئيسية، وتخفيف القبضة العسكرية على الاقتصاد، ووعود بعدم استخدام التمويل في الأعمال الإنشائية، بحسب مصادر عدة مطلعة على سير المفاوضات تحدثت إلى «مدى مصر» في الأشهر الأخيرة. وسيحدد مدى استعداد مصر لقبول شروط صندوق النقد الدولي حجم وتوقيت القرض.

في أوائل يوليو، وصف مسؤول حكومي نهج الحكومة: «أصبح من الواضح الآن أن صفقة صندوق النقد الدولي لا تتقدم بالسرعة المرجوة، لذا سيتوجه تركيزنا نحو جذب الاستثمارات من الخليج».

ولكن على الرغم من محاولات استمالة الاستثمار الخليجي، فإن قناة مصر الرئيسية الثانية للتمويل ليست اقتصادية صرف. أشار عدد من المصادر السياسية والدبلوماسية والأمنية الذين تحدثوا إلى «مدى مصر» في الأسابيع التي سبقت زيارة السيسي لقطر إلى إحساس متنامٍ بالسخط تجاه التنازلات التي أُجبرت مصر على تقديمها لأحد حلفائها الرئيسيين، وهي الإمارات العربية المتحدة، وذلك من أجل ضمان دعم اقتصادي حيوي. أحد المصادر وصف أنشطة الإمارات في مصر بـ«الكفالة» أكثر من كونها «استثمار أجنبي». بالنسبة للحكومة، تقول المصادر إنه من مصلحة مصر أن تسمح بالاستثمار القطري، وتحقيق تعاون قطري-مصري في مجالات المصلحة المتبادلة للسياسات الخارجية، لمقاومة النفوذ الإماراتي.

ينبع السخط على الإمارات من رفضها هذه المرة توفير الدعم غير المشروط، والذي اعتمدت عليه مصر منذ 2013، حين ساهمت الودائع الخليجية في البنك المركزي المصري بدور محوري في دعم مخزون العملة الأجنبية واستقرار قيمة العملة المحلية بين 2013و2014.

خلال هذه المدة، تلقت الحكومة المصرية تدفقات نقدية هائلة من الخليج، حيث قدمت المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت ودائع بقيمة 24 مليار دولار لمصر، بالإضافة إلى منح نقدية وعينية وأموال دعم للمشاريع. وخلال مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري في مارس 2015، قدم مجلس التعاون لدول الخليج 12.5 مليار دولار أمريكي إضافية.

ولكن على مر الأعوام، تراجعت الودائع الخليجية تدريجيًا، حتى وصلت الودائع المتبقية في البنك المركزي إلى 15 مليار دولار فقط في نهاية عام 2021.

وبحسب البيانات الصادرة عن البنك المركزي في نهاية أغسطس الماضي، حصلت مصر على ثلاثة مليارات دولار من قطر في صورة ودائع قصيرة المدى، بالإضافة إلى أخرى بقيمة عشرة مليارات دولار من المملكة العربية السعودية والإمارات خلال الربع الأول من 2022، دون تحديد مواعيد سدادها.

«فقد المقرضون “التقليديون” اهتمامهم بتقديم النجدة بالأساليب القديمة من تقديم المعونات أو توفير الاحتياطيات»، كما يقول مسؤول حكومي. «ما يسعون إليه الآن هو شراء الأصول الاستراتيجية. المشكلة هنا أنهم يقومون بشراء نوع المشاريع المربحة التي كان يتوجب على الحكومة نفسها أن تطورها وتوسعها. ولكن واقعيًا، مصر ليس لديها فرصة في احتواء أزمة الديون إلا بخسارة بعض من أفضل أصولها».

 يخدم بيع الأصول هدفين لمصر، أولًا، سيسمح بسيولة ضرورية لخدمة الديون. وثانيًا، سيساعد في دعم «الاحتياطي الحقيقي» في البنك المركزي، والذي يتطلبه صندوق النقد الدولي كدليل على قدرة مصر على موافاة التزامات الديون بنجاح، كما يقول مصدر مطلع من الحكومة.

ويشترط «صندوق النقد» في المعتاد وجود طرف ثالث غير رسمي في اتفاقيات القروض مع «القاهرة»، كضامن يحول نسبة من القيمة الكلية للقرض لمصر. ولعبت الإمارات دور الضامن في قروض عامي 2016 و2020، إلا أنها رفضت القيام بهذا الدور في مشاورات القرض الحالي، ما دفع مصر إلى التماس ذلك من المملكة السعودية والكويت، واللذان رفضا أيضًا، بحسب مصدرين حكوميين.

والأسوأ من ذلك، بحسب المصدرين، أن الإمارات ضغطت على صندوق النقد الدولي لاتخاذ موقف حازم في المشاورات حيال انخراط الجيش في الاقتصاد، والإصرار على تحرير سعر صرف قيمة الجنيه المصري كليًا.

وسعى الجانب المصري، بحسب مصادر حكومية، إلى إقناع الصندوق تأجيل خفض قيمة العملة إلى حين تلقيها الدفعة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي لمحاولة تجنب حدة الهبوط تلك. ولكن هذا لم يعد ممكنًا الآن.

ترى سارة سعادة، محللة الاقتصاد الكلي بإدارة البحوث بشركة سى أي كابتل، أن «جاذبية» الأصول المصرية لدى المستثمرين من الخليج «تعتمد في واقع الأمر على جانبين من الصورة: الأول هو سعر الجنيه بما يعني أن جاذبية الأصول تزيد تلقائيًا مع تراجع سعر الجنيه الذي يعني انخفاض تكلفة الاستحواذ عليها، والثاني هو تقييم الأصول نفسها».

وتضيف سعادة أنه «قد يبدو لأول وهلة أن مستثمري الخليج يفضلون التريث إلى أن يشهد الجنيه تراجعًا أكبر والاستفادة بالتالي من جانبي الصورة، لكن هذا الأمر ليس واقعيًا من الناحية العملية، لأن أي انخفاض حاد في سعر الجنيه سيرتبط غالبًا بتوقيع الاتفاق مع الصندوق، وفي هذه الحالة قد تتسبب هذه الأنباء في انتعاش البورصة وبالتالي ارتفاع تقييم الأصول على نحو تتراجع معه جاذبيتها»، موضحة أنه لهذا فإن «​​الوقت الأمثل هو اقتناص الفرص قبل توقيع الاتفاق».

إلى جانب أسعار الأصول، هناك قلق متنامٍ لدى بعض الجهات حيال حجم استحواذات الإمارات، خاصة فيما يخص الأراضي في شرقي مصر على مقربة من قناة السويس، وذلك بحسب التقارير الأمنية التي تمت مشاركتها مع أكبر قيادات السلطة التنفيذية واطلعت عليها المصادر الحكومية التي تحدثت إلى «مدى مصر».

وجهة النظر المتداولة الآن بين هذه الجهات هو أنه لا ضرر من الانفتاح على المكاسب القطرية لأن من شأن ذلك توصيل رسالة جلية للإمارات بأن مصر ستجد البدائل إذا استمرت في تجاهلها.

«على الأقل، فإن الأمور مع قطر واضحة»، يقول مسؤول حكومي آخر، مشيرًا إلى طبيعة العلاقات الثنائية مع قطر المعتمدة على المصلحة المتبادلة، على عكس الإمارات، والتي «كنا نظن أننا حلفاء، لكن عكس ذلك ظهر فجأة».

ولهذا بدأت قطر ومصر تدريجيًا في استعادة علاقة اقتصادية قوية منذ العام الماضي. بحسب البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت الصادرات المصرية لقطر 4.5 مليون دولار في 2021، مقارنة بـ395 ألف دولار في 2020، في زيادة تبلغ أكثر من 1000%، بينما ارتفعت الواردات من قطر إلى 40.3 مليون دولار في العام الماضي، مقارنة بـ25 مليون دولار في 2020.

ولا يزال متوقعًا أن يشهد التعاون الاقتصادي قفزة كبيرة، حيث يتبادل المسؤولون المصريون والقطريون محادثات عن استثمارات بقيمة 15 مليار دولار قبل نهاية العام، طبقًا لمسؤول حكومي آخر. ويتضمن ذلك حصصًا في شركتي الشرقية للدخان، وفودافون، إلى جانب البنك المصري المتحد، وشركات أخرى ضمن تلك التي استحوذت السعودية والإمارات على أجزاء منها.

ويتنافس كل من قطر والإمارات والسعودية للاستحواذ على بعض الشركات التابعة لقناة السويس أهم الأصول المصرية، بحسب المصادر المطلعة، ومن بينها شركات: التمساح لبناء السفن، والقناة للموانئ والمشروعات الكبرى، والقناة لرباط وأنوار السفن، والقناة للإنشاءات البحرية، والقناة للحبال ومنتجات الألياف الطبيعية والصناعية، وترسانة السويس البحرية، والأعمال الهندسية البورسعيدية، والقناة للترسانة النيلية.

خلال زيارة السيسي، وقّع صندوق مصر السيادي وجهاز قطر للاستثمار اتفاقية للتعاون في الموانئ، ذلك حسب المتحدث الرئاسي الرسمي.

غير أن الإمارات شقت طريقها بالفعل وبقوة في القناة وممر البحر الأحمر الحيوي، وأصبحت صانع قرار مهم ومخطط الأساسي للأطر الأمنية في منطقة البحر الأحمر شديدة التنافسية، عبر قواعد تابعة لها في بربرة، وصوماليلاند، وبوساسو، والصومال، وعدة موانئ ساحلية في اليمن، حيث حاربت جنبًا إلى جنب بالتحالف الذي قادته السعودية منذ 2015. واستولت «مجموعة موانئ أبوظبي» مؤخرًا على إدارة ميناء العين السخنة. وأثناء زيارة السيسي إلى الدوحة، استحوذت الشركة الإماراتية على 70% من أصول شركة IACC القابضة المصرية، والتي تشمل حصص أغلبية في شركتي شحن تعملان في البحر الأحمر: ترانسمار، وترانسكارجو الدولية.

ولكن لا يقتصر الاستثمار المصري-القطري فقط على القناة، بحسب مسؤول حكومي آخر، بحث المسؤولون المصريون والقطريون مد خط أنابيب لنقل الغاز القطري عبر السعودية إلى الموانئ المصرية للتعجيل بنقل الغاز القطري للأسواق الأوروبية، بالإضافة إلى تمكين قطر من الانتفاع والاستثمار في البنية الأساسية لقطاع الغاز في مصر وتحقيق مكاسب منه.

من شأن تلك الخطوة أن تدعم حلم مصر في التحول إلى محور الطاقة في المنطقة، والذي اعتمد حتى الآن بشكل كبير على إعادة تصدير الغاز الإسرائيلي.

إلى جانب الاستثمارات، طلب الجانب المصري وديعة قطرية إضافية للبنك المركزي المصري، بالإضافة إلى منحة نقدية للاقتصاد المصري تتراوح بين ثلاثة وخمسة مليارات دولار تقدم خلال خمس سنوات، ولكن المحادثات لا تزال قائمة بخصوص هذا الشأن، وذلك حسب نفس المسؤول المصري.

مصدر قطري مقرب للأمير تميم بن حمد، أكد وجود مباحثات حول وديعة محتملة في البنك المركزي، مقدرًا قيمتها بخمسة مليارات دولار، مشيرًا أنها جاءت في ضوء «انسحاب» الإمارات. ومع ذلك، فإن الدوحة تصر على تخصيص جزء من الوديعة للدعم الاجتماعي، حيث أنها «تلقت تقارير» بأن المعونات لا تعود دومًا بالفائدة على الشعب المصري.

يعرف المسؤولون في القاهرة بشكل واضح أن تشجيع الاستثمارات القطرية في مصر سيحتم بعض التنازلات. وستتمثل المساومات السياسية الأوضح في ما يخص الإعلام القطري، وجماعة الإخوان المسلمين، والتي كشف تقرير نشره «مدى مصر» في يونيو الماضي عن وجود تحركات فعلية فيها ضمن مناورات خليجية لفرض سيطرة على الجماعة السياسية ذات النفوذ في بعض دول المنطقة.

خمسة مصادر حكومية وسياسية وأمنية، أكدت أن ملف المصالحة مع الجماعة يخضع لنقاشات استخباراتية رفيعة المستوى بين كل من مصر وقطر، مع توقع تحقيق تقدم حيال تلك المسألة بشكل حتمي قبل نهاية العام لتشجيع الاستثمارات القطرية. تقول المصادر إن الاستثمارات لا تشترط إصلاح تلك المشكلة، ولكن سيتم التعجيل بها إذا ما تم معالجتها.

وأوضح مصدران أمنيان مصريان أن الجانب المصري طلب من قطر المساعدة في إدارة إجراءات التصالح لحساسية الملف الشديدة في خضم الأزمة الاقتصادية المتصاعدة في مصر، حيث يعتقد المسؤولون في القاهرة أنه يمكن لقطر أن تقدم نفس الدور الذي لعبته بين طالبان والولايات المتحدة.

وأكد المصدران الأمنيان أن قطر حثت السيسي ووفده على تحقيق طفرة سياسية عبر إطلاق سراح عدد من قادة الأخوان المسلمين، خاصة كبار السن ومنهم: خيرت الشاطر، وسعد الكتاتني، ومحمد علي بشر، ومحمود حسين، وذلك لتمهيد الطريق للمشاورات بين السلطات والجماعة. ووعد الجانب المصري بدراسة الخطوة ووضع الأساس اللازم لها قبل إجراء المحادثات.

كذلك تعتبر عودة الحضور القطري في الإعلام المصري جزءًا من المساومات السياسية كذلك، قال أحد المصادر الحكومية إن قطر طلبت من مصر رفع الحجب عن المواقع القطرية، وخاصة «الجزيرة» و«العربي الجديد»، وهو ما وعد الجانب المصري بتنفيذه في الأسابيع القادمة.

وخلال اليوم الأول لزيارة السيسي، طرح المسؤولون القطريون على وزير الخارجية سامح شكري ورئيس جهاز المخابرات العامة عباس كامل التعجيل بإجراءات إعادة فتح مكاتب الجزيرة في القاهرة وإطلاق سراح صحفيي القناة المعتقلين.

وفي 19 سبتمبر، أطلقت السلطات المصرية سراح صحفي الجزيرة أحمد النجدي، والذي قضى سنتين قيد الحبس الاحتياطي بتهمة «ترويج أخبار كاذبة».

ولم تقتصر المحادثات المصرية القطرية عن الإعلام على المنافذ القطرية منها فقط، حيث يقول المصدر الحكومي إن مصر تلقت مؤشرات إيجابية من الجانب القطري لدعم سلسلة القنوات الجديدة التي تخطط لإصدارها في الأسابيع القادمة «المتحدة للخدمات الإعلامية»، والتي تملكها أجهزة أمنية سيادية.

كما تتقاطع السياسات الخارجية للبلدين في عدة نواحٍ، خاصة تلك التي يتنامى فيها القلق المصري حيال التدخل الإماراتي. قال مصدر حكومي مصري، إن المسؤولين في قطر وافقوا على توحيد موقف البلدين من ليبيا ودعم الضغط لتكوين مجلس رئاسي جديد فيما يتم الحفاظ على حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وذلك بعد الانتكاسات المتعددة التي مر بها وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا وحكومته خلال محاولات السيطرة على العاصمة الليبية طرابلس.

وكان دعم مصر لمحاولة باشاغا طرد رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية إلى حد كبير ضمن خطة من أجهزة أمنية لإحداث قلاقل في الغرب الليبي بسبب قلق القاهرة من اصطفاف الإمارات وتركيا في دعمهم للدبيبة، وذلك حسب مصادر أمنية تحدثت إلى «مدى مصر» الشهر الماضي. وكانت «أنقرة» و«أبو ظبي» قد دعم كل منهما جهة مضادة من طرفي النزاع في حرب 2019 في طرابلس، ولكنهما وعلى نحو متزايد تمكنا من خلق أرض مشتركة في ليبيا وفي علاقاتهما الثنائية.

كما طالبت مصر كذلك بدعم قطري في إثيوبيا، وهي حلبة سياسة خارجية كبيرة أخرى وجدت مصر نفسها تعمل على أهداف متعارضة مع الإمارات.

كانت الإمارات داعمًا مهمًا لحرب الحكومة الإثيوبية الفيدرالية ضد قوات تيجراي في شمال البلاد. ورغم أن كلا الطرفين وافقا على إجراء محادثات سلام أوائل هذا العام بعد أشهر من هدنة غير رسمية توسطت فيها الإمارات بشكل كبير، نشبت النزاعات مرة أخرى في أغسطس الماضي. وتشير بيانات مفتوحة المصدر إلى ارتفاع عدد رحلات الطيران الخاصة بين الإمارات وإثيوبيا، والتي يعتقد أنها دعم عسكري من الإمارات.

وإلى جانب الحرب، تحاول الإمارات زيادة نفوذها في السياسة الإثيوبية، حيث عرضت 20 مليار دولار للتنمية الاقتصادية في مصر والسودان وإثيوبيا لتفادي الأزمة السياسية العسيرة حول إدارة سد النهضة الإثيوبي، وذلك بحسب مسؤولين حكوميين مصريين ومصدر سياسي مطلع في الخليج تحدثوا إلى «مدى مصر» في يونيو الماضي. ويشمل العرض، الذي جمع الدول الثلاث في محادثات تقنية، استثمار الإمارات في مشاريع تضم دول حوض النيل الثلاث على مدار سبع سنوات، «وبذلك تكون قد خلقت آلية لا تسمح لأي من الدول الثلاثة بالإضرار بمصلحة الدولتين الأخريين»، كما يقول المسؤول الحكومي.

وبحسب المصدر الحكومي المصري، حث المسؤولون المصريون قطر على التواصل من جديد مع «أديس أبابا» للحد من النفوذ الإماراتي الذي أدركت «القاهرة» أنه لا يخدم مصالحها.

وفي مقابل دعم مصر في ليبيا وإثيوبيا، وافق المسؤولون المصريون على دعم جهود قطر في رعاية الحوار القومي في تشاد بين المجلس العسكري الانتقالي هناك بقيادة محمد ديبي، والقوات المسلحة المعارضة، وذلك حسب مسؤول حكومي مصري.

واتخذت مصر بالفعل بعض التدابير نحو ذلك الهدف، حيث قام السيسي  في 13 سبتمبر بالعفو عن توم إرديمي، ابن أخت الرئيس التشادي السابق إدريس ديبي والذي عارضه منذ 2005. حيث كان إرديمي معتقلًا في السجون المصرية منذ 2020، وعاد إلى إنجامينا بعد إطلاق سراحه بفترة وجيزة.

وقد عاد أخو إرديمي، تيمان، قائد وأحد مؤسسي اتحاد قوى المعارضة التشادي، إلى تشاد بعد قضائه عقدًا من الزمن بالمنفى في قطر، وذلك لحضور محادثات تسعى لتمهيد الطريق لانتخابات ديمقراطية.

ووقع اتحاد قوى المعارضة، والذي يضم 40 جماعة متمردة على الأقل معاهدة سلام في 8 أغسطس في الدوحة لبدء المحادثات التي من شأنها التمهيد للانتخابات بعد 18 شهرًا من الحكم العسكري في تشاد بعد مقتل الرئيس السابق إدريس ديبي.

وطالما اتهم اتحاد قوى المعارضة الحكومة التشادية بالتنسيق مع مصر لضمان اعتقال توم إرديمي.

وتدين تشاد -تقيم حاليًا محادثات لإعادة هيكلة دينها الخارجي للسماح باستقبال المزيد من الدعم المادي- بثلث دينها الخارجي للدائنين التجاريين، معظمه لشركة جلنكور، إحدى أكبر الشركات متعددة الجنسيات في العالم في مجال تجارة السلع والتعدين. ورغم بيع صندوق الثروة السيادي القطري عددًا كبيرًا من أسهمه في «جلينكور» في أوائل هذا العام، إلا أنه لا يزال يمتلك الحصة الرئيسية من الأسهم في الشركة الأنجلو-سويسرية.

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات