أزمة الحدود البحرية بين لبنان و"إسرائيل".. الحكاية من البداية

05 اكتوبر, 2022 05:22 مساءً
نون بوست
أخبار الغد

توالت اكتشافات النفط والغاز في شرق البحر المتوسط طيلة السنوات القليلة الماضية، وأظهرت تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن حوض بلاد الشام يمكن أن يحتوي على 1.7 مليار برميل من النفط القابل للاستخراج، و34.5 تريليون متر مكعب من الغاز.

أحيا هذا الخبر آمال اللبنانيين بأن يكون قاع المتوسط مفتاح الفرج في مواجهة الأزمة الاقتصادية اللبنانية، وأن يتحوّل لبنان إلى بلد منتِج للغاز الطبيعي، ويدخل في دائرة اهتمام الدول الغربية التي تبحث عن بدائل لاعتمادها المكثَّف على الغاز الروسي، لكن أحلام لبنان الاقتصادية اصطدمت مجددًا بأطماع "إسرائيل".

يتنازع لبنان و"إسرائيل" على منطقة بحرية غنية بالنفط والغاز في البحر المتوسط، تبلغ مساحتها 860 كيلومترًا مربعًا، وفق خرائط مودعة من الطرفَين لدى الأمم المتحدة، وتتوسط الولايات المتحدة في المفاوضات غير المباشرة لتسوية النزاع وترسيم الحدود البحرية بينهما.

وفي الأسابيع القليلة الماضية، ومع تواتُر تحركات الوسيط الأمريكي، تداولت وسائل إعلام إسرائيلية معلومات تفيد بوجود عرض أمريكي يقضي بأن "إسرائيل" ستتنازل عن مساحة بحرية معيّنة في عمق البحر، وبالمقابل سيتنازل لبنان عن مساحة بحرية معيّنة قريبة من الشريط الساحلي، بيد أن مسؤولين لبنانيين لم يؤكدوا هذا العرض.. فما هو أصل القصة؟ 

ترسيم الحدود البحرية

في عام 2010، طلب لبنان من الأمم المتحدة إقامة حدود بحرية جنوبية مع "إسرائيل"، بحيث يمتدّ خطها من رأس الناقورة وينتهي عند النقطة 23 -نحو 133 كيلومترًا إلى البحر-، بزاوية تتبع تقريبًا حواف كتل التنقيب الإسرائيلية التي أثارت غضب اللبنانيين وكانت قد باشرتها في وقت سابق.

وبعد 8 أشهر من طلب لبنان، قدّمت "إسرائيل" نسختها من الحدود البحرية، وطالبت بنحو 860 كيلومترًا مربعًا تقع داخل المياه اللبنانية، وفقًا للطلب اللبناني السابق، ولذا صارت تلك المنطقة متنازعًا عليها بين البلدَين منذ ذلك الوقت، لا سيما أن البلدَين ليس لهما حدود برّية متفق عليها، إذ ترسَم تلك الحدود عند "الخط الأزرق" الذي رسمته الأمم المتحدة عام 2000، بعد أن سحبت "إسرائيل" قواتها من جنوب لبنان.

بحلول عام 2011، دخلت الدولتان رحلة مفاوضات غير مباشرة لترسيم خارطة ملكية الغاز الطبيعي في المناطق البحرية المتنازع عليها، وهو العام نفسه الذي أقرّت فيه الحكومة اللبنانية المرسوم 6433، حيث حدّدت آنذاك مجموعة من المتخصصين في الجيش اللبناني -بدعم من هيئة المسح البحري البريطانية- منطقة إلى الجنوب (عند الخط 29)، قالوا إنها يجب أن تكون حدود لبنان، ومن ثم منحوا لبنان نحو 1400 كيلومتر مربع إضافي زائد على الخط 23، وهو ما يتيح لبيروت نظريًّا الاستفادة من كامل حقل قانا ونصف حقل كاريش، وهما حقلان من الغاز الطبيعي.

ولا يزال اللبنانيون يتفاوضون حتى اللحظة على اعتماد الخط 23 الذي يتنازل فعليًّا عن الـ 1400 كيلومتر مربع لـ"إسرائيل" عوضًا عن الخط 29، إذ لا يزال المرسوم المذكور غير معتمَد رسميًّا بسبب الضغوط الأمريكية على القيادة اللبنانية.

بالعودة إلى تفاصيل مفاوضات عام 2011، اقترح الدبلوماسي الأمريكي السابق، فريدريك هوف، آنذاك حدودًا تضع نحو نصف حقل قانا وحقل كاريش بالكامل في حوزة الإسرائيليين، في المقابل سيُمنَح لبنان نحو 480 كيلومترًا مربعًا إضافيًّا على ما تطالب به "إسرائيل"، وهو ما اعتبره الأمريكيون آنذاك تنازلًا كافيًا لصالح لبنان.

لكن لبنان رفض العرض في النهاية، ولم تتمخّض تلك المفاوضات عن اتفاق حاسم بين الطرفَين، وحمّل الوسيط الأمريكي حكومة رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي - التي كانت تواجه أزمات داخلية واضطرابات - المسؤولية.

وقد عادت المفاوضات إلى نقطة البداية عام 2020 بالتزامن مع دخول لبنان أزمة اقتصادية خانقة، إذ أعلن رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، في أكتوبر/ تشرين الأول 2020 اتفاقًا إطاريًّا للتفاوض على ترسيم الحدود في جنوب لبنان برعاية الأمم المتحدة وبوساطة أمريكية، حيث عدّل لبنان مطالبه خلال المفاوضات بترسيم الحدود وفق خط جديد هو الخط 29 الذي يمرّ عبر حقل كاريش، وكان من المفترض أن تقتصر المحادثات، لدى انطلاقها، على مساحة بحرية تقدَّر بنحو 860 كيلومترًا مربعًا.

لكن لبنان اعتبر لاحقًا أن الخريطة استندت إلى تقديرات خاطئة، وطالب بالبحث في مساحة 1430 كيلومترًا مربعًا إضافيًّا تشمل أجزاء من حقل كاريش، ما يعني أن المساحة المتنازع عليها من وجهة نظر لبنان هي 2290 كيلومترًا مربعًا، وهو ما رفضته "إسرائيل" وأدّى إلى توقف المفاوضات.

حقل كاريش

يشكّل مثلثٌ في مياه البحر الأبيض المتوسط بؤرةَ خلاف على حقوق التنقيب عن الطاقة، وتضم المنطقة جزءًا من حقل غاز كاريش وجزءًا من حقل غاز قانا المحتمل، وفي حين يقول لبنان إن حقل كاريش يقع في المياه المتنازع عليها، تقول "إسرائيل" إن الحقل يقع في منطقتها الاقتصادية الخالصة.

وفي يونيو/ حزيران الماضي، تصاعدَ التوتر عندما وصلت إلى المنطقة البحرية المتنازع عليها سفن شركة إنيرجيان لاستخراج الغاز، حيث حذّر حزب الله مرارًا "إسرائيل" من القيام بأي نشاط في حقل كاريش، كما أعلنت "إسرائيل" في 2 يوليو/ تموز اعتراض 3 مسيّرات تابعة لحزب الله كانت متجهة إلى منطقة حقول الغاز.

وبات حقل كاريش للغاز -الذي تقول "إسرائيل" إنه يقع ضمن مياهها الإقليمية- في قلب النزاع على موارد الطاقة في المنطقة البحرية بين لبنان و"إسرائيل"، ولوّح حزب الله اللبناني بالتحرك عسكريًّا في حال بدء استغلال الحقل قبل التوصل لاتفاق، وردّت تل أبيب بتهديد الحزب بشنّ حرب على لبنان.

ويقع حقل كاريش للنفط والغاز الطبيعي في المياه الإقليمية بحوض البحر الأبيض المتوسط، ويبعد 100 كيلومتر عن السواحل الإسرائيلية، ونحو 75 كيلومترًا عن ساحل حيفا، ووفق وزارة الطاقة اللبنانية يبعد الحقل نحو 4 كيلومترات فقط عن الحدود مع "إسرائيل"، وتحديدًا في البلوك رقم 8، ويبعد نحو 7 كيلومترات عن البلوك رقم 9، وهما تابعان للمياه الإقليمية اللبنانية.

وتقدَّر مساحة حقل كاريش بنحو 150 كيلومترًا مربعًا، كما يقدَّر حجم الاحتياطات من الغاز الطبيعي في الحقل بنحو 1.3 تريليون قدم مكعب، في حين تشير تقديرات أخرى إلى أن حجم الاحتياطات يتراوح بين 1.5 تريليون وتريليونَي قدم مكعب، وقد انطلقت مفاوضات "غير مباشرة" برعاية الأمم المتحدة بهدف ترسيم الحدود بين الجانبَين، وعُقدت 5 جولات من التفاوض كان آخرها في مايو/أيار 2021.

يعتبر حقل كاريش جزءًا من خطة إسرائيلية لتصدير الغاز إلى الاتحاد الأوروبي، إذ تبحث دول الاتحاد عن بدائل للطاقة الروسية، وتهدف "إسرائيل" إلى توفير 10% ممّا كانت تصدّره روسيا قبل غزوها لأوكرانيا.

في الوقت ذاته، يأمل لبنان، الذي يعاني من شلل بسبب نقص حاد في الكهرباء في ظل أزمة اقتصادية، أن يعثر على احتياطي غاز كبير في قانا، الذي يمتدّ إلى المنطقة المتنازع عليها، ويمكن أن تستخدم بعد ذلك خلال سنوات طوال لتوليد الطاقة محليًّا والتصدير إلى الخارج.

ويقول ديفيد وود، كبير محللي الشؤون اللبنانية في مجموعة الأزمات الدولية: "ينظر السياسيون اللبنانيون إلى هذا باعتباره الطريق المحتمل لتحقيق انتعاش اقتصادي".

بوادر اتفاق

تتوسط الولايات المتحدة منذ عامَين بين "إسرائيل" ولبنان للتوصل إلى اتفاق يرسّم الحدود البحرية بينهما، ويزيل العقبات من أمام عمليات التنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما، وعلى ما يبدو هناك بوادر حلول واتفاق على الأبواب، حيث سلمت السفيرة الأمريكية لدى لبنان، دوروثي شيا، إلى كل من رئيس الجمهورية، ميشال عون، ورئيس مجلس النواب، نبيه بري، ورئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، العرض الخطي الرسمي لترسيم الحدود البحرية بين لبنان و"إسرائيل"، الذي صاغه الوسيط الأمريكي آموس هوكستين.

و بحسب "اندبندنت عربية"، تضمّن العرض شرحًا في 10 صفحات باللغة الإنجليزية لمسار المفاوضات غير المباشرة منذ انطلاقها في جنوب لبنان في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، كما تضمّن أرقامًا وإحداثيات تتطلب دراسة من قبل فريق تقني ومهندسين.

وأن الفريق التقني المذكور بدأ اجتماعات بعيدة عن الإعلام لفكّ مضمونها قبل تقديم الردّ الرسمي اللبناني عليها، علمًا أنه تم إرسال نسخة من المقترح إلى قيادة الجيش اللبناني لدرسه، وعليه دعا الرئيس عون كلًّا من برّي وميقاتي إلى عقد اجتماع للبحث في الردّ الرسمي على مقترح الوسيط الأمريكي.

ويمنح العرض الأمريكي لبنان حقل قانا بالكامل، انطلاقًا من حصوله على المنطقة الواقعة شمال الخط 23، مقابل اعتراف لبنان بإسرائيلية حقل كاريش، كما ينص على اعتراف "إسرائيل" بحق لبنان في التنقيب واستخراج الغاز في الحقول اللبنانية، لا سيما البلوك رقم 9 في قانا، على أن يكون لبنان غير معنيّ بالتعويض لـ"إسرائيل" عن جزء من قانا.

ومن بنود العرض الأمريكي السماح لشركة توتال بمعاودة التنقيب والاستخراج وتوفير الضمانات الأمنية لها في حقل قانا، وعُلم أنه تم فصل الترسيم البحري عن البرّي عبر عدم ربط أية نقطة برّية بالحدود البحرية.

تسابقَ الرؤساء الثلاثة بعد تلقيهم العرض الأمريكي الرسمي إلى إشاعة أجواء تفاؤلية، ذهب بعضها إلى التأكيد بأن التوقيع النهائي سيحصل قبل 15 أكتوبر/ تشرين الأول، وهو الموعد الذي حدّدته "إسرائيل" لبدء استخراج الغاز من حقل كاريش.

في المقابل، اعتبرت صحيفة "غلوبس" الاقتصادية العبرية أن "إسرائيل" قررت التخلي عن جميع مطالبها التي تمسّكت بها على مدار العقد الماضي، في إطار التفاوض على ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، وتساءلت عن سرّ هذا التنازل في غضون أسابيع؟ 

وقالت الصحيفة إن "أودي أديري، رئيس الفريق الإسرائيلي المهني في المفاوضات، اعترض بشدة وبشكل أساسي على التنازل عن الجزء الإسرائيلي من المنطقة المتنازع عليها من الحقل، ولكن بعد رفض الاعتراض، استقال واُستبدل بمدير عام وزارة الطاقة الحالي ليئور شيلات".

ويتضمن المشروع النهائي تخليًّا كاملًا عن مساحة 860 كيلومترًا مربعًا من المنطقة المتنازع عليها، بما في ذلك التخلي عن الإدارة المشتركة لمنصة الحفر والتي كانت ذات أهمية استراتيجية لـ"إسرائيل".

ونقلت عن مسؤول رفيع قوله إن "موقف "إسرائيل" حتى ما قبل بضعة أشهر هو أنه ليس من المنطقي بالنسبة إلى "إسرائيل" أن تتنازل بعد الآن لأنها العامل الأقوى، اقتصاديًّا وحيويًّا، أمام لبنان الذي هو في وضع اقتصادي صعب للغاية".

إذًا، هي أيام تفصلنا عن توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين "إسرائيل" ولبنان بعد 5 جولات استمرّت لـ 10 سنوات، وما يسرّع الموضوع اليوم هو عوامل كثيرة أبرزها أننا بتنا في زمن إيجاد حلول ما "بعد روسيا"، حيث إن الولايات المتحدة تريد هدوءًا في الشرق الأوسط لمعالجة قضية الطاقة في أوروبا ودعم حلفائها الأوروبيين، ناهيك عن أزمتها مع الصين.

وبالعودة إلى المسودة الأمريكية، يقول الطرفان إنها تلبّي حاجة كل منهما، فالخط 23 يقول إن حق حقل كاريش لـ"إسرائيل"، بينما معظم حقل قانا للبنان، لكن الفرق هنا أن حقل قانا يحتاج إلى 3 سنوات لتشغيله إن أُثبت أن هناك بالفعل كمية من الغاز، أما حقل كاريش جاهز لاستخراج الغاز خلال أسبوعَين.

وسيكون حقل كاريش ثاني أكبر حقول الغاز في "إسرائيل"، ما يجعلها لاعبًا أساسيًّا في مجال الطاقة في شرق المتوسط، كونها الآن تملك 3 حقول غاز الأمر الذي يخوّلها لنقله عبر تركيا مباشرة نحو أوروبا، الأمر الذي ستحصل من خلاله على تمويل وتسهيلات وطبعًا بُعد سياسي على شكل علاقات مع دول، شاءت أم أبت، تحكمها الطاقة، خاصة في فصل الشتاء.

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات