الأردن: المركز الوطني لحقوق الإنسان "في مأزق"

21 سبتمبر, 2022 09:54 صباحاً
العربي الجديد
أخبار الغد

تتواصل الأزمة التي تعصف بالمركز الوطني لحقوق الإنسان في الأردن، منذ شهور عدّة، مع إصرار موظفي الأمانة العامة في المركز على المضيّ بإضرابهم، مشدّدين على أنّهم لن يتراجعوا عن احتجاجهم المطلبي حتى إلغاء القرارات الإدارية المتعلقة بترفيعات بعض الموظفين وتنفيذ قرارات لجنة الشكاوى، بحسب ما يفيد محتجّون "العربي الجديد". 

ويقول موظف في المركز فضّل عدم الكشف عن هويته، لـ"العربي الجديد"، إنّه "يتوجّب على مجلس الأمناء القيام بالمهام المناطة به بموجب التشريعات الناظمة لعمل المركز، وتصويب كلّ الإجراءات والقرارات الفردية المخالفة للتعليمات التي جاءت تمييزية لا تحكمها قواعد العدالة وتكافؤ الفرص، وخارجة عن مبادئ باريس التي تحكم المؤسسات الوطنية، وعن المعايير الدولية لحقوق الإنسان". ويتّهم الموظف رئيس مجلس أمناء المركز رحيل غرايبة بـ"التعنّت في موقفه، إذ لم يتراجع عن قراراته المنحازة التي افتقرت إلى معايير الشفافية والمهنية التي غذّتها الاعتبارات الضيقة، الأمر الذي بدا واضحاً في قرارات الترفيع الأخيرة التي صدرت عنه تزامناً مع التعديلات التي طاولت قانون المركز".


وكانت الأزمة قد بدأت عندما كُفّت يد المفوض العام في مجلس أمناء المركز علاء العرموطي، وأُحيلت مفوّضة التعزيز المحامية والناشطة نسرين زريقات وموظفة أخرى إلى القضاء بتهم ارتكاب تجاوزات في أحد البرامج التي يديرها المركز. وفي آخر المستجدات، أعلن عدد من موظفي المركز في 17 أغسطس/ آب الماضي، إضراباً جزئياً عن العمل احتجاجاً على ترفيعات إدارية عدّوها تجاوزاً للنظام الداخلي حين لم تراعِ بحسب وصفهم "الأسس الإدارية المتبعة لدى المركز".


يقول علاء العرموطي لـ"العربي الجديد"، إنّ "قرار تحويلي إلى القضاء بثلاث جنح جنائية متعلقة بالإهمال الوظيفي عمل كيدي شابته عيوب كثيرة ونوايا مبيّتة"، متّهماً عدداً من أعضاء المجلس بسوء التقدير وعدم المهنية"، لكنّه لفت إلى أنّه يثق بـ"نزاهة القضاء الأردني"، موضحاً أنّ "النيابة تحيل أحياناً القضايا إلى المحكمة من دون بيانات كافية".


ويرى حقوقيون وناشطون أنّه من غير الممكن عزل هذه المستجدّات عن التعديلات التي أقرّها مجلس النواب ودخلت حيّز التنفيذ في مطلع أغسطس/ آب الماضي، والتي طاولت المادتَين 13 و16 اللتَين تشترطان على كلّ من يُعيَّن في منصب الرئيس أو منصب المفوض ألا يكون منتسباً إلى أيّ حزب سياسي.


ولا يحظى المركز الوطني لحقوق الإنسان في الأردن بالاستقلالية، إذ يُعيَّن رئيسه وأعضاؤه بمرسوم ملكي، فيما يصدر تقريراً سنوياً يرصد مختلف الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ويُرفَع إلى الملك وإلى مجلسَي الأعيان والنواب وكذلك الحكومة.


وبحسب ما تفيد مصادر حقوقية "العربي الجديد"، فإنّ "أزمات المركز طفت إلى السطح بسبب مواقف لمفوض حقوق الإنسان انتقد فيها واقع حقوق الإنسان في البلاد وعنايته بملف المعتقلين ومطالبته بحقّ التجمع السلمي، منتقداً بعض التعديلات الدستورية والقانونية الأخيرة".  

استقالة احتجاجية
وبينما تنتظر البتّ في استقالتها من عضوية أمناء المركز الوطني لحقوق الإنسان، تقول المديرة التنفيذية لـ"مركز العدل للمساعدة القانونية" هديل عبد العزيز لـ"العربي الجديد"، إنّ "قرار كفّ يد المفوض العام علاء العرموطي غير قانوني، إذ استند إلى معطيات غير سليمة وتحقيق منقوص أو غير محايد أصدره رئيس مجلس الأمناء متعجّلاً"، مشيرة إلى أنّ "الأخير فاوض العرموطي على الاستقالة قبل قرار كفّ اليد".


وتوضح عبد العزيز أنّها قدّمت استقالتها "اعتراضاً على عدم سلامة الإجراءات، علماً أنّ ما جرى يُعَدّ سابقة في المجلس الذي يحتاج إلى إصلاح وتطوير في ظلّ عدد من المشكلات الإدارية، فيما تقع المسؤولية أوّلاً وأخيراً على مجلس الأمناء". وترفض عبد العزيز الخوض في قضية تحويل مفوضة التعزيز إلى القضاء في انتظار حكم المحكمة، لكنّها ترى أنّ "ثمّة تهويلاً في الأخطاء عند تصوير القضية على أنّها جريمة جنائية. فمفوضة التعزيز اتُّهمت باختلاس مبلغ لا تتجاوز قيمته 92 ديناراً أردنياً (نحو 130 دولاراً أميركياً)، وهو مكافأة صُرفت لها بقرار إداري وبالتالي هي غير مسؤولة عنها"، متسائلة عن "غياب المدير المالي عن القضية". وتشدّد عبد العزيز على أنّ "ما بُني على باطل فهو باطل. ولولا قرار كفّ اليد لما وصلت الأوضاع إلى ما هي عليه الآن".

وحول التعديل الذي أقرّه مجلس النواب مشترطاً عدم الانتماء الحزبي للمفوض ورئيس مجلس الأمناء، تأمل عبد العزيز بأن "تأتي التغييرات أكبر، وألا يبقى التعيين في مجلس الأمناء في يد السلطة التنفيذية، وزيادة حصانة المركز ومفوض المركز"، وتتابع أنّه "من حيث المبدأ، ومن خلال تجربة رئيس مجلس الأمناء الحالي، ثمّة تضارب في ما يخصّ انتماء رئيس مجلس الأمناء الحزبي. فتقرير المركز حول الانتخابات النيابية الأخيرة واجه انتقادات من قبل الهيئة المستقلة للانتخاب، وأيّ تقرير في أيّ اتجاه سوف يفسّر بأنّه يخدم حزب المفوض أو حزب رئيس مجلس الأمناء، وأنّ المركز مسخّر للأجندة السياسية".


وعلى الرغم من أنّ الحديث يدور حول تراجع دور المركز في الفترة الأخيرة، ترى عبد العزيز أنّ "مجلس الأمناء الحالي حاول السير في اتّجاه مختلف ومتابعة أيّ انتهاك لحقوق الإنسان. لكنّه بعد كفّ يد العرموطي، لم تعد ثمّة مواقف مهمة في القضايا التي تشغل الرأي العام؛ قضية العقبة والاعتقالات وقانون حقوق الطفل".

ما بين الحوكمة والخضوع للسلطة التنفيذية
في الإطار نفسه، يرى الخبير الحقوقي والرئيس التنفيذي لمنظمة "محامون بلا حدود" صدام أبو عزام أنّ "تعديل قانون المركز أتى خجولاً لا يعزّز القدرة المؤسسية للمركز الوطني لحقوق الإنسان. وكان من الأجدر البحث في تعديلات تشريعية تضمن حصانة المركز واستقلاليته وعدم التدخّل في مهامه". يضيف أبو عزام متحدثاً لـ"العربي الجديد"، أنّ "الخطوة جيّدة لحوكمة عمل المركز وتركيزه على الجانب الحقوقي، لكنّه كان من الأجدر وضع مجموعة من الضوابط الأخرى التي يُعيَّن على ضوئها رئيس مجلس الأمناء والمفوض، من بينها ألا يكون حزبياً وأن يكون رئيس المجلس ضليعاً بحقوق الإنسان وليس غريباً عنها، وألا تكون له مواقف مسبقة سلبية من تلك الحقوق، وأن يتحلى بالخبرة من خلال شغله مناصب في منظمات تدافع عن حقوق الإنسان".


يضيف أبو عزام أنّه "كان من الممكن تلافي التصعيد الإداري الأخير من خلال إجراءات إدارية ومالية من شأنها أن تحول دون اللجوء إلى القضاء، لا سيّما أنّ المخالفات التي يُشار إليها هي مخالفات ذات طابع إداري والمبالغ المالية زهيدة وهي نتاج تعليمات مالية وإدارية قديمة لم تُطوَّر أو تُعدَّل. أمّا التصعيد فيؤثّر على سمعة المركز وقد يُفهم على أنّه محاولات للتدخّل في شؤون المركز، والأصل أنّ لدى مجلس الأمناء ومجلس الحكماء طرقاً بديلة لفضّ النزاع من أجل السيطرة على أيّ تداعيات قبل أن تصل إلى القضاء"، ويلفت إلى أنّه "كان من المفترض عدم اتّخاذ أحكام متسرّعة بكفّ اليد، التي أتت كإجراء مبالغ فيه".

وعن أداء المركز، يقول أبو عزام إنّه "يشهد حالة تراجع غير مسبوقة، وثمّة عدم وضوح في الرؤية ومشكلات إدارية ومالية وعدم انسجام بين أعضاء مجلس الأمناء، مع غياب واضح وعدم اشتباك مع القضايا الحقوقية في الفترة القريبة الماضية. وبخلاف ذلك، يتّخذ رئيس مجلس الأمناء مواقف على صفحاته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي مناهضة لحقوق الإنسان، من بينها قانون حقوق الطفل، من دون أن يقدّم أيّ مقاربة أو آراء إصلاحية لتجويد القانون"، ويشدّد على "ضرورة أن تكون لغة المركز والقائمين عليه علمية حقوقية، لا تكتفي بالسكوت والإنكار".

"استجابة مؤسسية"
في سياق متصل، يقول مسؤول الإعلام في المركز الوطني لحقوق الإنسان أحمد فهيم رداً على سؤال لـ"العربي الجديد" حول خطوات المركز للتعامل مع إضراب عاملين فيه، إنّ "المركز استجاب لمطالب مجموعة محدودة من موظفيه بعد اعتراضهم على قرارات تنظيمية. وفي المحصّلة، أُحيلت مطالبهم إلى مجلس الأمناء لينظر فيها في أوّل اجتماع يعقده، لتُصار عملية الاستجابة لمطالبهم بصورة مؤسسية تتّفق مع قانون المركز وتعليماته والتشريعات الناظمة لهذا المجال عموماً". يضيف فهيم أنّ "الاعتصام المذكور لم يؤثّر على كمّ ونوعية الخدمات المقدّمة من قبل المركز للمواطنين والمقيمين، وأنّه في حال تأكدت إدارة المركز من خلاف ذلك فإنّها سوف تتّخذ كلّ الإجراءات الإدارية والقانونية اللازمة لانتظام سير العمل".


وحول بعض الملاحظات بخصوص عدم تفاعل المركز مع القضايا الحقوقية والمطلبية وتبنّي مواقف واضحة تجاه التوقيف في الفترة الأخيرة، يرى فهيم أنّ "المركز لم يتأخّر عن رصد ومتابعة أيّ قضية تتعلق بحقوق الإنسان وحرية التعبير في الفترات الماضية، فهو أصدر بيانات ومواقف عدّة تتعلّق بأيّ شأن حقوقي ينتصر لحقوق الإنسان أو ينتهكها"، ويتابع أنّه في ما يتعلق بعدد من "القضايا الفردية"، فإنّ المركز "يعمل حيال بعضها بصمت، بعيداً عن أضواء الإعلام، ووفق مقتضيات الدستور والقانون والأنظمة النافذة". ويشير فهيم إلى أنّه بالنسبة إلى عدنان الروسان وأنس الجمل وغيرهما من الموقوفين، فقد تابع المركز أوضاعهم عن كثب واستمع منهم إلى ظروف توقيفهم وساهم في تحسينها وفي إيصال مطالبهم إلى المعنيين.


وعن تعديل قانون المركز الوطني ونشره في الجريدة الرسمية، واحتمال استقالة رئيس مجلس الأمناء، يوضح فهيم: "نعم، سوف يستقيل رئيس مجلس الأمناء في ضوء تعديل قانون المركز لسنة 2022 والذي أُقرّ أخيراً".


تجدر الإشارة إلى أنّ المعتصمين يؤكدون أنّهم متمسّكون بمطالبهم، هم الذين لم يستجيبوا في مطلع شهر سبتمبر/ أيلول الجاري لتعميم أصدره رئيس مجلس الأمناء يدعو فيه إلى وقف الاحتجاجات المستمرة، وقد رأوا فيه تهديداً لن يثنيهم عن تحرّكهم.

"دولة غير حرّة"
ويبدو أنّ أزمة المركز قد خرجت من إطارها القانوني لتحوز بعداً سياسياً على وقع المستجدّات الإدارية والتشريعية الأخيرة، ويُخشى أن تؤدّي تداعياتها إلى إعادة النظر في تصنيف المركز الوطني لحقوق الإنسان عالمياً، مع تراجع البلاد على مؤشّر الحريات. أمّا استقلالية المركز فباتت على المحك، في ظلّ إجراءات قد تعزّز هيمنة السلطة التنفيذية.


وكانت هيئة تنسيق مؤسسات المجتمع المدني "همم" قد عبّرت عن قلقها البالغ من المسّ باستقلالية المركز الوطني لحقوق الإنسان، ومخاوفها من أن يكون قرار كفّ يد المفوض العام بداية حملة استهداف ممنهجة لتقويض المركز والحدّ من موقفه الثابت في رفض التجاوزات على قضايا حقوق الإنسان، ومن شأن هذه الممارسات أن تؤثّر سلباً على تصنيف المركز الوطني لحقوق الإنسان دولياً وتخدش استقلاليته واستقلال القائمين على إدارته.


يُذكر أنّ مؤشّر مرصد منظمة "سيفيكوس"، وهو بحثي عالمي يصنّف ويتابع الحريات الأساسية في 197 دولة وإقليماً، صنّف أخيراً الأردن بلداً قمعياً، فيما أظهر التقرير السنوي لمنظمة "فريدوم هاوس" (بيت الحرية) الأميركية لعام 2020 تراجع اﻷردن على سلّم الحريات المدنية والحقوق السياسية من خلال حصوله على الترتيب 34 عالمياً ليصير "دولة غير حرّة" بعد أن كان مصنّفاً من ضمن الدول "الحرّة جزئياً".

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات