د. أيمن نور .. يكتب

4 آلاف جنيه.. غيّبت الليبرالية ربع قرن؟!

15 سبتمبر, 2022 10:06 صباحاً
د.أيمن نور
د.أيمن نور

رئيس اتحاد القوى الوطنية

أخبار الغد

عبد الناصر الذي قال: "إما الثورة وإما الليبرالية الديمقراطية".. اضطر مرغماً إلى أن يعلن في 25 مارس 1954 الخضوع لإرادة الشعب ومعظم الجيش، معلناً نهاية الثورة بمجرد تسليم ممثلي الأمة السلطة في 24 يوليو 1954.. إلاّ أنّ الموقف لم يكن سوى مناورة لتطويق الإنتصار الذي حققته الليبرالية.. وبدأ عبد الناصر ومجموعته القيام بأعمال ومهاترات خطيرة لإبراز خطورة العودة الليبرالية، كان أبرزها وقوع ستة إنفجارات دفعة واحدة في القاهرة، منهما إنفجاران في الجامعة، وثالث في جوربي، وآخر في مخزن الصحافة بالسكة الحديد في محاولة لتأكيد خطورة إنفلات الأوضاع وغياب القبضة الحازمة.

وقد روى بغدادي في مذكراته أن عبد الناصر أبلغهم أنه هو شخصياً الذي دبر هذه الانفجارات لإثارة مخاوف الناس من طريق الديمقراطية، والإيماء بأنها ستؤدي لخلل في الأمن وفوضى.. وأكد خالد محيي الدين هذه الرواية في مذكراته الأخيرة "الآن أتكلم" كما كشف في هذه المذكرات أن عبد الناصر اعترف له صراحة بأنه أنفق مبلغ 4 آلاف جنيه مصري لترتيب وحشد مظاهرات 27، 28، 29 مارس التي هتفت ضد عودة الحزبية وطالبت باستمرار الثورة!! في نفس الوقت كانت هناك مظاهرات شعبية تلقائية خرجت دفاعاً عن الليبرالية من الجامعات والنقابات المهنية (المحامين والصحفيين) كما خرجت مظاهرات في الإسكندرية- كما قال خالد محيي الدين في مذكراته- تهتف بحياة الوفد والنحاس وفؤاد سراج الدين.

إلاّ أنّ عبد الناصر ومجموعته كانت عدّ كل شيء وفقاً لمخططها للإستيلاء على السلطة والإنقلاب على انتصار الليبرالية.. ويقول محيي الدين في مذكراته صفحة 320 "أن الصحافة الليبرالية لعبت دوراً خطيراً في إرباك الضباط وشحنهم.

وفي 28 مارس بدأت كل الخيوط تتضح، فبدلاً من أن تضرب النقابات العمالية وتتظاهر مع بقية أفراد الشعب المصري دفاعاً عن الليبرالية والديمقراطية.. وكما كان متفقاً بين القائمقام يوسف صديق، والصاوي أحمد الصاوي "رئيس إتحاد نقابات عمال النقل" في اللقاء الأول الذي تم بينهم يوم 26 مارس في اللواء السابع مشاة بالعباسية واللقاء الثاني  في منزل يوسف صديق بالزيتون، إلاّ أنّ المخطط والأموال التي اعترف بها عبد الناصر (4 آلاف جنيه)!! استطاعت أن تقلب الموقف في اللحظات الأخيرة، لتخرج المظاهرات والإضرابات العمالية منادية بسقوط الليبرالية وبحياة الدكتاتورية وبقاء عبد الناصر والعسكر على قمة السلطة وبصورة مطلقة!..

وبالطبع كان عبد الناصر ورفاقه يلعنون في الإذاعة هذه الأخبار عن الإضرابات والمظاهرات والمطالبة بدماء الثورة تمهيداً للإنقلاب الجديد.. بل أنه من الطريف أن بعض هذه الأخبار كان يعلن عن أحداث ومظاهرات قبل حدوثها فعلاً (راجع مذكرات أحمد أبو الفتح).

كما كان عبد الناصر قد مهّد للخطوة القادمة من خلال استنفار بعض القوى غير الليبرالية لإعلان موقفها المساند لاستمرار الثورة (مثلاً حافظ رمضان والمرشد العام للإخوان) في نفس الوقت كانت القوى الليبرالية وصحفها- خاصة- المصري تتصدى بكل قوة لحركة 26 مارس بوصفها بتوجيه من العسكر وتولي محمود مراد قيادة الحملة بعد أن سافر أحمد أبو الفتح إلى بيروت، وكتب مراد عن اندساس بعض المأجورين في مقالة بالمصري 28 مارس.. إلاّ أنّ الضباط سارعوا في اليوم التالي بإلغاء قرارات مارس استجابة للمطالب "الشعبية"!! وتوالت القرارات بالإبعاد السياسي والاعتقال، والتصفية داخل الجيش نفسه، وإغلاق الصحف وإصدار قوانين حماية الثورة وحرمان قيادات الليبرالية المصرية من تولي كافة الوظائف العامة، ومن كافة الحقوق السياسية، وحلّ مجلس نقابة الصحفيين، بل أن الديكتاتورية افترست حتى هؤلاء الذين وقفوا معها ضد الليبرالية من أمثال السنهوري وغيره..

ومنذ ذلك التاريخ –أبريل 1954- دخلت مصر أسود عهود الدكتاتورية العسكرية، بعد أن خرجت الليبرالية من الساحة بفعل مؤامرة مارس، وليستمر غيابها حوالي ربع قرن من الزمان لم تخرج فيه قياداتها من السجون والمعتقلات إلا لتعود إليها مرة أخرى.

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات