محمد عبد القدوس .. يكتب

ماما تبتسم على فراش الموت!

11 سبتمبر, 2022 05:05 مساءً
محمد عبد القدوس
محمد عبد القدوس

كاتب وصحفي مصري

أخبار الغد

عندما دخل أبي حبيبي حجرة والدته المتوفاة كانت هناك مفاجأة أخرى في انتظاره ..
 يقول : كانت ترقد فوق فراشها كما تعودت أن أراها ، بشرتها في لون اللبن المخلوط بعصير الورد ، وهي تبتسم .. أنني لا أتخيل ولا أبالغ .. أنها تبتسم ! 
إبتسامتها الصغيرة التي أعرفها جيداً .. لقد كذبوا علي .. قولي لهم يا أمي إنهم يكذبون ..


 ماما .. ماما .. 
ردي علي يا حبيبتي .. 
إنك تكرهين الكذب ، قولي لهم ألا يكذبوا على ابنك .. 

ورأيت أمي تبتسم ، ولا تتكلم ! 
ماما .. ماما .. أرجوك تكلمي .. قولي شيئاً .. لا يكفي أن تبتسمين .

ودخل ناس حاولوا أن يحملوني بعيداً عن أمي .. 
تصديت لهم ، قمت واقفاً مهدداً ، ملوحا بيدي ومحذرا كل من يحاول الإقتراب مني ، وخرجوا .. 
وأغلقت الباب وراءهم ، وعدت إليها .. 
إلى أغلى ما في الوجود .. 
ردي يا ماما .. 
لعلك غاضبة ، هذه طريقتك عندما تغضبين مني ، لا تتحدثين معي .. ماذا فعلت ؟ 
لماذا أنت قاسية إلى هذا الحد ؟ 


   (الأطباء يموتون أيضاً!) 

وتنبهت إلى أنني أبكي ، أنها لم تكن تحب أن تراني باكياً ، لقد رأتني أبكي منذ سنوات ، فضربتني وقالت لي : كن رجلاً ! ومسحت دموعي ! هل رضيت الآن يا ماما ؟ 
لكنها لا ترد .. فقط تبتسم .

وسقطت على ركبتي بجانب فراشها .. 
إن هناك رجلاً آخر في نفسي بدأ يصدق أنها ماتت ، والرجل الذي لا يصدق لا يزال موجوداً ، وكلاهما يتكلم كلاما عجيباً .. كلاما لا افهمه ، لكني أسمعه .
ودخلوا ثانية ليحملوني عنوة بعيداً عنها ، ونظرت إليهم متوسلا .. 
لحظة واحدة أرجوكم ، وأمسكت باليد الكريمة الموجودة بجانب الجسد الطاهر ، وقبلتها ثم رفعتها إلى جبيني ، كما عودتها كلما ألتقينا وكلما أفترقنا .

وخرجت إلى البهو متماسكاً ، أدعي الهدوء ، لكن الرجل الذي لا يصدق لا يزال قائماً في نفسي ، وإن كان قد بدأ يبتعد ، وهو في إبتعاده يطالب بطبيب آخر ، لعل الطبيب الأول أخطأ ، لعل الدكتور الجديد يستطيع أن يفعل شيئاً .

وجاءوا بطبيب آخر مرضاة لي ، لكنه لم يصعد إليها ، سمع بالخبر قبل أن يصعد فانصرف ! .وهززت كتفي كأني أسخر .. إن الأطباء أيضاً يموتون ! 
كلنا نموت ! 

أقنعت نفسي أن أمي ماتت ! 

وعدت أطوف بحجرات بيتها ، وفي الحجرة التي تعودت أن تقرأ فيها وجدت نظارتها ، وأخذتها لعلي أرى بها ما كانت تراه .

كلمات مفتاحية

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات