د. أيمن نور .. يكتب

السادات.. تباشير عهد ليبرالي لم يكتمل بعد

30 اغسطس, 2022 10:01 صباحاً
د.أيمن نور
د.أيمن نور

رئيس اتحاد القوى الوطنية

أخبار الغد

غابت الليبرالية قهراً وقسراً، بعد نجاح ديكتاتورية العسكر في السيطرة على الموقف، بعد مؤامرة مارس 1954، التي استطاعت أن تحول هزيمة الديكتاتورية إلى انتصار، مكنها من السيطرة على مصير مصر- ما يقارب حقبتين من الزمان- رغماً عن أنف الإدارة الشعبية، التي أعلنت انحيازها لليبرالية، والتي استجاب لها قطاع من حركة الجيش- تم استبعاده بعد أزمة مارس.

وكان لهزيمة المشروع الناصري في 1967، أثرها البالغ في ضرورة مراجعة الحسابات، والبحث عن مشروع جديد، يتفادى كوارث الديكتاتورية المطلقة، التي وضعها العسكر كسبيل وحيد لبناء مصر القوية الزعيمة والرائدة، وإذ به يحول مصر إلى مصر المهزومة الهزيلة المثخنة بأعمق الجراح عسكريا واقتصادياً وسياسياً..

.. وكانت بداية السبعينات، واعتلاء السادات للسلطة، فرصة مناسبة، لبداية مرحلة جديدة من تباشير الليبرالية، التي اتخذت طبيعة مقيدة بمصالح السلطة الجديدة، وتعارضها مع الحرس القديم، ورغبتها الجارفة في الاختلاف وتعديل مسار التبعية السياسية.. وهذا لا يقلل من قدر وحجم الخطوات التي اتخذها السادات تجاه الليبرالية، بقدر ما يضع هذه الخطوات في إطارها الفكري والموضوعي الصحيح.. فالسادات لم يكن ليبرالياً بالفطرة أو بالنشأة، بل أنه وفقاً لمذكراته (يا ولدي.. هذا عمك جمال) كان من أكثر ضباط الحركة حماساً للديكتاتورية العسكرية، وكما قال عن نفسه إنه في أول اجتماع بعد الحركة "المباركة" كان أكثر الحضور حماساً لسيطرة العسكر على السلطة وعدم العودة للحياة البرلمانية- في الوقت الذي رفض فيه عبد الناصر نفسه هذا التشدد- إلاّ أنّ عوامل كثيرة دفعت السادات يوم أن تولى السلطة لخلع مظاهر الديكتاتورية المطلقة، بطريقة "الأستربتيز" قطعة قطعة، وارتداء الملابس الليبرالية بنفس الطريقة- قطعة قطعة- وكانت الخطوة الأولى في 15 مايو 1971- مهما كان الخلاف حول دوافعها- إلاّ أنّها كانت بداية مرحلة جديدة، فتحت فيها أبواب المعتقلات في اتجاه الخروج، وخفت حدة مظاهر المجتمع البوليسي، من خلال إلغاء القيود على سفر المواطنين للخارج، والإعلان عن حرق أشرطة التجسس، وسيادة القضاء، وإلغاء سلطة المصادرة، وفرض الحراسات، كما انعكس طرد الخبراء الروس في صيف 1972 إيجابياً على المناخ السياسي الداخلي، كما شهد عام 1974، خطوات هامة أبرزها رفع الرقابة على الصحف- ولو ظاهرياً- كذلك بداية مرحلة الإنفتاح الاقتصادي- رغم تنفيذها بطريقة معيبة شانت الفكرة وأهدرت مضمونها- وكان لزاماً على السادات أن يتخذ خطوات باتجاه التعددية السياسية سواء بفعل ضغوط خارجية، أو بفعل طبيعة المرحلة وأثر التراث الليبرالي المصري، الذي لن يضفي أي مصداقية على الخطوات السابقة دون تعددية حقيقية.. وكما فشل سلفه في تقديم بديل حقيقي لليبرالية المصرية، فشل السادات في اصطناع بدائل، من خلال المنابر، أو الأحزاب المصنوعة داخل أروقة الحزب الواحد، وتحت رعاية ومباركة السلطة..

لذا كانت عودة الوفد- بوصفه الوعاء الحقيقي لليبرالية المصرية بحكم التاريخ والواقع الشعبي- في فبراير 1978، بداية العودة الحقيقية لليبرالية المصرية.. وكان طبيعياً أن يتألف من خارج تنظيمات السلطة، ويضم فصائل سياسية واجتماعية عديدة بوصفه جبهة ليبرالية كما كان من قبل.

ورغم الإنزعاج الشديد الذي أصاب السلطة من الإقبال الشعبي الجارف للإنضمام للوفد- والذي قيل أنه وصل لأكثر من مليوني استمارة عام 1978- إلاّ أنّ هذا الإقبال كان أولى بشائر الإستجابة الشعبية للمرحلة الجديدة، وكان استفتاء على موقف مصر من الليبرالية، والتي تصور السادات أنها لن تعود بهذه القوة، بعد غياب أو تغيب استمر قهر الربع قرن من الزمان..

لقد عادت الليبرالية للساحة بوصفها تياراً أصيلاً في عقل المجتمع المصري الذي ارتضاها منهجاً لكفاحه، وغاية لنضاله منذ ثورة 1919- وقبلها- وحتى مظاهرات الطلاب والنقابات وعصيان سلاح الفرسان في مارس 1954 للمطالبة بالليبرالية السياسية ورفض ديكتاتورية العسكر والمجتمع الشمولي المغلق.

أخبار مصر

عربي ودولي

حقوق وحريات