تقارير

صفقة توريد سيارات الخدمات بالمراكز التكنولوجية: فساد هائل وعجز رقابي يهدد الدولة

فشلت وزارة التخطيط في الإشراف على إحدى الصفقات المثيرة للجدل التي تثير العديد من التساؤلات حول فاعلية الرقابة والشفافية. وقعت الوزارة عقدًا قيمته 111 مليون و250 ألف جنيه مع شركة صغيرة تُدعى “بي ساب” لتوريد 50 سيارة فيات بيكانتو طراز L4H3 VAN 35 HIGH ضمن مشروع سيارات الخدمات بالمراكز التكنولوجية المتنقلة، حيث دفع المبلغ بالكامل مقدما في خطوة غامضة تهدد بمستقبل مشروعات الدولة.

تفاجأ الجميع بعد أن مرت أكثر من عام على توقيع العقد ولم تلتزم الشركة الموردة بتوريد السيارات المتفق عليها. رغم مرور أكثر من 12 شهرا، ظلت سيارات “بي ساب” غائبة عن تنفيذ العقد، وهو ما يعكس فشلًا ذريعًا في مراقبة سير التنفيذ. يكمن السؤال هنا في كيفية السماح لهذه الشركة الصغيرة، التي لم تقدم خطاب ضمان قيمته 20 مليون جنيه كما نص العقد، في الحصول على كل هذه التسهيلات غير المبررة.

كشف التحقيق عن تفاصيل صادمة، حيث رفضت الشركة المصنعة الأوروبية تقديم ضمان على السيارات الموردة، ما دفع “بي ساب” للجوء إلى ضمان محلي ضعيف من وكيل “فيات” في مصر مقابل مبلغ 1.75 مليون جنيه. تثير هذه الخطوة تساؤلات خطيرة حول تأمين حقوق الدولة، إذ لا يتناسب هذا الضمان مع الضمانات العالمية، ويثير الريبة بشأن ممارسات غير شفافة تتم في الخفاء.

سددت وزارة التخطيط المبلغ بالكامل، لكن لم تصدر ضمانات فعلية لحماية أموال الدولة، حيث أصدر البنك خطاب الضمان بعد تحويل الأموال للشركة الموردة، ما يثير الشكوك حول امتيازات حصل عليها صاحب شركة “بي ساب”. ففي الوقت الذي كانت فيه جميع الشروط تشير إلى ضرورة تنفيذ التوريد في غضون شهرين ونصف، لم تلتزم الشركة بتسليم السيارات ولم ترد الأموال للدولة. إذن، كيف تمكن صاحب شركة صغيرة من الحصول على صفقة ضخمة مع هذه الامتيازات؟

تستمر الأسئلة في التراكم: كيف لشخص عادي يملك سجلًا تجاريًا وبطاقة ضريبية متواضعة أن يحصل على صفقة بهذا الحجم؟ أين كان دور وزارة التخطيط في الرقابة على هذا المشروع؟ وكيف لم تلاحظ الوزيرة رانيا المشاط، المشرفة على المشروع، فشل هذا التنفيذ؟

وبينما كان من المتوقع أن تتدخل وزارة التخطيط بشكل عاجل لمعالجة هذا الوضع، فقد فشلت في اتخاذ خطوات جادة لحماية الأموال العامة. لم يُحاسب أحد من المسؤولين في الوزارة على هذا الفشل الإداري الكبير، وهو ما يثير القلق حيال مدى قدرة الوزيرة على إدارة المشروعات التي تقع تحت إشرافها.

تساؤلات أخرى تطفو على السطح: كيف تواصل شركة “بي ساب” التلاعب دون رادع؟ وهل سيتمكن صاحب الشركة، أحمد منصور، من الاستمرار في تنفيذ مثل هذه الصفقات المشبوهة؟ خاصة وأنه ظهر فجأة بحياة مترفة، حيث امتلك ثلاثة سيارات فارهة وانتقل من شقة شعبية إلى فيلا في القاهرة الجديدة.

ينبغي أن تكون هذه الصفقة بمثابة جرس إنذار حول المخاطر الكبيرة التي تهدد مشروعات التحول الرقمي التي تتبناها الدولة. وتعد هذه القضية نموذجًا صارخًا للفشل الرقابي وسوء الإدارة، وقد تؤدي إلى فقدان المواطنين الثقة في مشروعات الدولة إذا لم تتحرك الجهات المعنية بسرعة لمعالجة هذه الانحرافات.

تتزايد المطالبات بأن يكون هناك تدخل حاسم من رئيس الجمهورية، عبد الفتاح السيسي، لوضع حد لهذه التجاوزات. فقد بات من الضروري محاسبة جميع الأطراف المتورطة في هذه الصفقة الهائلة واسترداد الأموال المهدرة لضمان استمرارية مشروعات الدولة.

ويجب أن نُدرك جميعًا أن ما يحدث في مثل هذه الصفقات يعد تهديدًا حقيقيًا لمستقبل التنمية المستدامة في البلاد. وفي حال استمر هذا التراخي في الرقابة، فإن الدولة لن تتمكن من استعادة ثقة المواطنين في مؤسساتها، وهو ما ينعكس سلبًا على كل الخطط المستقبلية.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى