مقالات وآراء

عدنان منصور يكتب: كاوبوي العالم يهدّد ويقرع طبول الحرب!

‬منذ بداية ولايته الثانية وفوزه برئاسة الولايات المتحدة الأميركية، بعد انقطاع لأربع سنوات عن ولايته الأولى، تتفاجأ دول العالم وشعوبها يوماً بعد يوم، لا سيما الدول الحليفة والصديقة لواشنطن، بهيجان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي فلت من عقاله، عابثاً بقيَم الثورة الأميركية، وبالقوانين، ومبادئ الشرعية الدولية، ومواثيق المنظمات والهيئات الأممية.
هو رئيس الدولة العظمى لم يشهد مثله التاريخ القديم ولا الحديث، والذي آثر أن يتحدّى العالم كله بما فيه من قوى كبرى، ومن حلفاء، وأصدقاء وأعداء، ليتصرّف كالذئب الكاسر الذي يريد أن يسحق كلّ من يعترض طريقه.
رئيس يريد أن يفرض عقوبات على أعضاء في محكمة الجنايات الدولية لأنها وقفت وقفة حق وضمير، وأدانت الجرائم والمجازر التي ارتكبها نتنياهو وزمرته بحق شعب غزة. وقفة شرف لمحكمة نهجت طريق الحق والعدالة، عدالة ما عرفها ترامب بتاتاً، ولم تدخل إلى عقله و»ضميره».
هو الرئيس الأميركي الذي أطلّ على العالم ذات يوم، مبشراً بإنهاء الحروب على طريقته الخاصة، مخيّراً الدول، إما بخضوعها، وابتزازها، والاستيلاء على أموالها وثرواتها، وإما بالحرب والدمار! ترامب في حقيقته ليس إلا داعية وعرّاباً ومؤجّجاً لها، أياً كانت أنواع الحروب وأشكالها: اقتصادية، مالية، عسكرية، إعلامية، أو عقوبات، وحصار، وتجويع، وخنق على البطيء.
لم يتردّد ترامب في فرض رسوم إضافية على السلع المستوردة من دول حلفائه الأوروبيين، حتى إذا ما أرادت هذه الدول اللجوء إلى المعاملة بالمثل، يهدّدها مسبقاً برفع الرسوم المفروضة عليها!
يريد هيمنة الولايات المتحدة على العالم مهما كانت الغاية أو الوسيلة، وإنْ تطلّب ذلك التخلي عن «صدقيته»، ووعوده، و»حرصه» على تحقيق السلام والاستقرار في العالم كله.
إجراءات القرصان الهائج، وسياساته الحمقاء على الساحة الدولية خبط عشواء، تثير ذهول دول العالم، وهي تضرب شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، إذ يريد حاكم البيت الأبيض ترويض دول، وتقزيم أخرى، وإذا عجز عن ذلك، لجأ الى تأجيج «الفوضى الخلاقة»، والوقوف وراء الاضطرابات والثورات في بلدان عديدة لا تجاري سياساته، وإشعال الحرائق والفتن الطائفية، والعرقية والقومية في بلدان أخرى.
من المستحيل أن نجد في هذا العالم دولة شهدت مشاكل أمنية، وأوضاعاً اقتصادية صعبة، ومواجهات عسكرية ساخنة، أو حروباً أهلية داخلية، دون أن يكون لواشنطن اليد الطولى في تحريكها، وتأجيجها، وإشعالها، والوقوف خلفها.
هو ترامب، «داعية السلام»، و»المناهض للحرب»، الذي بعد أقلّ من شهرين على تسلّم ولايته، كشر عن أنيابه، لتظهر حقيقته، وحقيقة السلوك السياسيّ القبيح المستبدّ للولايات المتحدة، الذي لم يتغيّر، ولم يتبدّل حيال الشعوب المقهورة
التي تتطلع على الدوام إلى التحرّر من قبضة واشنطن وهيمنتها، وتسلّطها، واستغلالها.
هو ترامب الذي يدعم «إسرائيل» دون حدود، ويقف إلى جانبها في عدوانها المتواصل على غزة، ولبنان، وسورية، يؤيّد ويبرّر اعتداءاتها بكلّ وقاحة، ويشجّعها على ارتكاب المزيد من المجازر والدمار في الوقت الذي تستعدّ فيه «إسرائيل» لاستئناف حربها التدميرية على غزة ولبنان !
لم يكتف ترامب بعدوان «إسرائيل» وحربها المتواصلة على غزة ولبنان وسورية، ودعمه السياسي، والعسكري، والمالي المتواصل لها، بل نراه يستعدّ لشنّ الحرب على إيران ويلوّح بقصفها، وبفرض المزيد من القيود الاقتصادية عليها، إذا ما رفضت طهران الخضوع لشروطه، حتى ولو زلزلت الحرب أمن واستقرار الشرق الأوسط والعالم كله، وانتهك الكاوبوي الأميركي انتهاكاً صارخاً، وفاضحاً للمواثيق والقوانين الدولية، ولمبادئ الأمم المتحدة بالذات.
متى كانت الولايات المتحدة تحجم عن شنّ الحروب، وإشعال الثورات والانقلابات العسكرية، والاضطرابات التي اندلعت وتندلع في العديد من دول الشرق الأوسط، دون أن تصبّ الزيت على النار، وتقوم بتأجيجها، وأخذها إلى المكان والهدف الذي تريده؟! هل كانت واشنطن يوماً، بعيدة عن تدخلها العسكري في الحروب التي اشتعلت وتشتعل في ليبيا، والعراق، وسورية، والسودان، واليمن، وغزة، ولبنان؟! هل وقفت الولايات المتحدة ولو لمرة واحدة إلى جانب حقوق شعب من شعوب هذه الدول؟! هل أنصفت الولايات المتحدة مرة واحدة، الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، ووقفت في وجه الإبادة والتطهير العرقي الذي يتعرّض له منذ عام 1948 وحتى اليوم؟! أليست الولايات المتحدة الدولة الوحيدة في هذا العالم التي لم تشبع، ولم ترتوِ من الحروب والانقلابات العسكرية التي أشعلتها في دول القارات الأربع ومناطقها، على مدى أكثر من مئتي عام، والتي أوْدت بحياة الملايين من البشر.
ها هو اليانكي الأميركي، يطلّ مجدداً على العالم بوجهه السياسي القبيح، ليضيف إلى سجل الولايات المتحدة، مأثرة أخرى من مآثرها «العظيمة الخالدة»، التي بدأت مع الهنود الحمر، السكان الأصليين للقارة الجديدة، ليقرع طبول الحرب ضدّ دولة كشفت الحقيقة البشعة للإمبراطورية المستكبرة، التي كشرت عن أنيابها، وسمحت لنفسها على الدوام أن تكون شرطي العالم، والتدخل السافر، دون وجه حق، في شؤون الدول.
ما حمله كلام ترامب الموجّه للقيادة الإيرانية، أقلّ ما فيه، أنه يفتقر للأعراف، واللياقات الدبلوماسيّة، ويخرج عن المألوف الواجب اتّباعه في مخاطبة الدول وقادتها. لا عجب في ذلك فقد تعوّد رؤساء الولايات المتحدة على ممارسة أخلاق السياسة تجاه الدول بدلاً من سياسة الأخلاق!
عصر الكاوبوي الأميركيّ لم ينته دوره بعد، إنّه ينتقل بالوراثة من رئيس إلى رئيس. ها هو ترامب، يضع الشرق الأوسط كله تحت مجهر الترسانة العسكرية الأميركية الهائلة، جاعلاً إيران ومرشدها، بين خيارين: إما الركوع والخنوع والاستسلام للإرادة الأميركية، وإما الحرب المدمرة التي بانتظارها!
هل كان الرئيس الأميركي يتوقع الردّ الذي جاءه من طهران؟! أم أنه كان ينتظر زحف القيادة الإيرانية باتجاهه وهي ترفع العلم الأبيض؟!
إنّها الإمبراطورية العظمى، التي لم تتخلّ عن جبروتها، وطغيانها، واستبدادها، وعن سياسة القهر التي تتبعها بحق الدول وشعوبها المظلومة، ومع ذلك تريد أن تقنع شعوب الأرض قاطبة، أنها دولة العدالة، والحرية، والديمقراطية، وحامية السلام والأمن والاستقرار، وحقوق الإنسان في العالم!
مَن يصدّق بعد ذلك، ومَن يقتنع، إنْ لم يكن تحت الحماية والوصاية، وعلى لائحة العمالة، والدفع المسبق، و»المكرمات» الأميركية السخية؟!

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى