
لم أكن في شوارع المحلة يوم 6 أبريل 2008. كنتُ محبوسًا في زنزانةٍ ضيّقة، بجدرانٍ أكثر قسوة من البرود، في سجن طره. و رغم القضبان، ورغم الغياب، كنت حاضرًا… وبقلبٍ ممتلئ بشيءٍ يشبه النبوءة.
لم يكن ما جرى يومها احتجاجًا عادياً، بل زلزالًا أخلاقيًا واجتماعيًا وسياسيًا، فجّرته أوجاع الطبقة الكادحة، وتبنّاه شباب آمنوا بأن الوطن لا يُهدى، بل يُنتزع.
كانت المحلة الصناعية هي الشرارة، لكن الوقود كان أكبر من ذلك بكثير: كانت هناك روحٌ تتخلق في رحم القهر، اسمها 6 أبريل.
حين زارني ضباط أمن الدولة مساء ذلك اليوم إلى زنزانتي، لم يأتوا بجديد سوى تأكيد المؤكد: قالوا إنني “المتهم الأول في القضية”… رغم أني لم أغادر الزنزانة منذ شهور. لكن ما أوجعني لم يكن الاتهام، بل القائمة التي حملوها. أكثر من ثمانين اسمًا… من خيرة شباب حزب_الغد.
كنت أقرأ الأسماء بقلبي قبل عينيّ: إسراءعبدالفتاح، الشابة الحالمة التي خطّت أول بيانات الدعوة للإضراب. أحمد ماهر، المهندس الذي صار مع الأيام مهندسًا للوعي. شريف الروبي، الصوت الصادق الذي لم يتردد. شادي العدل، عمرو عز، أحمد بدوي… وغيرهم ممن ولدوا سياسيًا داخل الغد، ثم خرجوا من رحمه ليُصبحوا أيقونة لزمنٍ جديد.
لم تولد حركة 6 أبريل في غرف الاجتماعات، بل في أقبية الخوف. لم تتشكل من صراع أجنحة أو صفقات، بل من صراعٍ واضح مع دولة لا تعرف معنى أن يحتجّ الناس دون إذن. كانت الحركة – في بدايتها – منصة لأصواتٍ خرجت من هامش الهامش، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى رأس حربة الثورة، وإحدى أهم المحركات الميدانية لانتفاضة يناير 2011.
أرادت السلطة حينها أن تخنق هذه النبتة قبل أن تُزهر، لكن 6_أبريل كانت كالأمل: لا تُكسر، بل تتكاثر. لم تكن حركة موحّدة في كل شيء، لكنّها كانت موحّدة في ما هو أهم: الإيمان بأن #الحرية حق، وأن الثورة ممكنة، وأن العدالة ليست شعارًا يُكتب على الجدران.
اليوم، بعد 17 عامًا على ميلادها، لا يزال بعض رموزها يدفعون الثمن.
محمد عادل، مثال على اللدد في الخصومة. سُجن، ثم خرج، ثم أُعيد اعتقاله، بلا اتهام حقيقي، سوى أنه لم يساوم. ظل ثابتًا على ما آمن به، فكان جزاؤه أن تتآكل سنين عمره خلف الأسوار.
أما شريف الروبي، فحالته الصحية تنذر بالخطر، صامتة ومؤلمة. لم يكن يومًا خصمًا عنيفًا، بل ابنًا لهذا الوطن، يؤمن بأن الكلمة قادرة على هزّ عرش الظلم… لكنها لا تشفع له اليوم.
هؤلاء لم يطلبوا أكثر من وطنٍ عادل، ولم يرتكبوا أكثر من الحلم. ومع ذلك، يُعاملون كخطر على الدولة، لا كمؤسّسيها الفعليين.
في ذكرى 6 أبريل، لا أكتب تأريخًا لحركة فقط، بل أكتب شهادةً لجيلٍ كامل، جيلٍ اختار أن يخطّ مساره بأظافره، وأن يصعد تاريخه من أعمق الحفر. جيلٌ لم يكن بينه وبين الوطن إلا الحلم، ولا بينه وبين الزنازين إلا خطوات قليلة، مشاها بكرامة وعناد.
أتمنى في هذا اليوم المشهود أن يتسع صدر الدولة لما ضاق صدر الزنازين به: الحرية..الحرية لشباب 6 أبريل، لكل معتقلي الرأي، لكل من حلم ولم يخن الحلم.
ستبقى 6 أبريل ورقة خضراء في شجرة الوطن، مهما حاولوا اقتلاعها، لأنها وُلدت من الألم، ولأن جذورها تمتد في كل من قال “لا” حين كان الصمت هو الأمان.