شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب : ورقة من مذكراتي الصراع على رئاسة مصر (٧) الجنزوري صراع الفرعون والكاهن

كان صباحًا شتويًا من صباحات برلمان التسعينيات، حيث يسيل الضباب على نوافذ القاعة كأنه ستار رماديّ على مسرح السياسة. جلست هناك، لأول مرة، أمام رجلٍ خُيّل لي أنه خرج توًا من معبد فرعوني كُتب على جدرانه طقس الأرقام، لا معناها…
رجلٌ يتلو الموازنات كما يتلو الكاهن صلواته، لا ينظر في المعنى، بل في النغمة والانضباط وينتظر أن يردد الكل خلفه بعناية كلمه:- آمين.

كان ذاك هو الدكتور كمال الجنزوري، المولود في المنوفية، تلك المحافظة التي خصّتها الأقدار بأن تكون مشتلًا لرؤساء مصر، أكثر مما هي مشتل للزراعة. التي تخرّج منها الجنزوري عام ١٩٥٧، متخصّصًا في ما أسموه “الاقتصاد الزراعي”، ذلك التخصص الذي يرى فيه البعض اقتصادًا ( للمقعدين )، كأنه مقعد خشبي في قطار الدولة لا يصل أبدًا وحده إلى المحطة.

جاءه المنصب للجنزوري ، كما تجيء النبوءات القديمة: بلا ضجيج، بلا سعي، بلا منازلة. فمن محافظ لـ الوادي الجديد في عهد أنور السادات عام ١٩٧٦، إلى وزير للتخطيط عام ١٩٨٢، حتى تبوأ رئاسة الوزراء في عهد حسني مبارك عام ١٩٩٦، ورفض أن يترك عرشه القديم في وزارة التخطيط.
حتي عندما جاء ب ظافر البشري وزيرًا للتخطيط والتعاون الدولي، أصر الجنزوري أن يبقى هو أيضًا وزيرًا للتخطيط، فدخلنا، كتاب موسوعه جينيس ، كأول دولة في الكوكب تملك وزيرين للتخطيط في آنٍ واحد (!!)

أذكر أنني وقفت آنذاك في البرلمان، أقدّم أول استجواب ضد رئيس الحكومة الدكتور الجنزوري الذي جمع في يده وزارة التخطيط ووزارة شؤون الأزهر، دون أن يؤدي القسم الدستوري لأي منهما!
كانت واقعة أشبه بمن يقود سيارتين
دون رخصة قيادة أو تأمين اجباري كان الرجل من الكهنة الذين يرون أنفسهم فوق الدستور، لا بين دفّتيه.

كان داخل الرجل يقين لا يتزحزح بأن النظام الإداري هو الوحي، وأن البيروقراطية هي الطقس، وأن الدستور مجرّد حبر على ورقٍ .

تأملتُه طويلًا… وتأملتُ التاريخ معه. تلك اللحظات التي تتماهى فيها الرموز، وتتبادل الأدوار. فها نحن، مرة أخرى، نعيش صراعًا بين الفرعون والكاهن، بين من يحمل الصولجان، ومن يملك قرار المعبد.

تذكّرتُ أخناتون، حين خرج على كهنة آمون، مُعلنًا التوحيد لـ آتون، فاهتزّت طيبة، وارتجّ العرش. وتذكّرتُ أيضا حريحور، كاهن آخر الزمان، الذي حكم الجنوب كفرعون غير مُتوّج، بسلطان الكهنوت لا بالدم والنسب الملكي.

وبقياس الزمان على الوجوه، بدا لي كمال الجنزوري، كأنّه ظلّ لحريحور في عهد مبارك… لم يسعَ إلى الرئاسة كسياسي، بل انتظرها كترقية مستحقة هو دون غيره مؤهلا لها.

لم يتحدث الرجل يومًا عن طموح رئاسي، لكنّه كان يسكنه اعتقاد ثابت أنه الأجدر بها، الأحق بها، الأكفأ، والأكثر انضباطًا. لم يرَ في أحد من معاصريه من يملأ الكرسي كما يملأ هو جدول المصروفات.

لم يكن يرى السياسة إلا اضطرابًا… والإدارة هي اليقين. ولم يكن يقيس الفكرة بعمقها، بل بعدد سطورها في البيان المالي.

كمال الجنزوري لم يكن سياسيًا، وأظنه كان يحتقر السياسة وأهلها. كان يراها عالماً من التلوّن، وهو رجل لا يعرف- من وجهة نظره -إلا الأبيض أو الأسود…
كان بامتياز ، موظفٌ في معبد، لا قائدٌ في ساحة.

وكان البرلمان، في عينيه، ظلًّا باهتًا لحكومته، لا رقيبًا عليها.
ولم يعرف من الحكومة إلا من يقف من وزرائها خلفه في الصف،

لا من يقف خلف غيره
كان مستشاره الأقرب، والمحرّك في الظل، رجلًا يُدعى طلعت حماد، الذي اتي به وزيراً لمجلس الوزراء وهو صاحب مزاج تآمري نادر، خاض مع الجنزوري معارك ضد معظم الوزراء، و ضد البرلمان، ثم ضد الابن الطامح، جمال مبارك.

وكنت، حينها، نائبًا معارضًا عن دائرة باب الشعرية، والموسكي (وسط القاهرة) ونائبًا لزعيم المعارضة… وقد وضعتني المقادير مرارًا في مواجهات حادة رئيس الحكومة، خاصة داخل لجنة الخطة والموازنة. وبلغ الخلاف بيننا في بعض الأوقات حد القطيعة.

إلا أن أعنف المواجهات بدأت بعد مكالمة هاتفية صباحية. اتصل بي نور فرغل، من مكتب الدكتور الجنزوري، و أحال الخط مباشرة إلى كمال الجنزوري، الذي باغتني في بداية المكالمة ،بسؤال جاف: “إنت عايز إيه؟”

دهشتُ، وظننت أن الخط أُحيل لي بالخطأ، فسألته: “حضرتك عارف بتكلم مين؟”
فاعتبر السوائل تحديا وتجاوزا ، واشتعلت حده الحديث، خاصة حين أشار إلى مقال كتبته في ذات اليوم انتقدت فيه مشروع حديد أسوان…

فجأة… انقطع الاتصال. أثناء حديثه ولا أعلم السبب حتى اليوم، لكن ما أعلمه أنه، وبعد دقائق، كان قد اتصل بالرئيس مبارك، شاكياً، ومحرفًا للواقعة. بوصفها إهانة لكرامة الكاهن الأكبر بتحريض من كهنة آخرين!!

في ذات الظهيرة تلقيت اتصالًا من الدكتور محمد إبراهيم سليمان، وزير الإسكان، يبلغني فيه أن السيد عمر سليمان يريد لقائي… والتقيته في ذات اليوم في مكتبه، بحدائق القبه ،وكان هو اللقاء الأول والأخير، مع عمر سليمان وطلب مني في اللقاء موافقتي علي ترتيب جلسة خاصة مع الجنزوري لاحتواء الأزمة. وحدث اللقاء، لكنه كان مشحونًا بكل ما تحمله النفوس من شوائب وظنون وألغام.

بعدها بساعات، اتصل بي سكرتير الرئيس، أبو الوفا رشوان، ثم أعاد الاتصال محيلًا المكالمة للرئيس مبارك. الذي سألني عن تفاصيل اللقاء، وكان صوته ينضح بغضبٍ دفين، لا من أجلي، بل من كأهنه الاكبر رئيس وزرائه.

وقتها، أيقنت أن العلاقة بين مبارك والجنزوري قد بلغت منتهاها من التدهور. خاصه عندما سألني مبارك وهو يعرف الإجابة ، هل قال لك أنه فعل في سته اشهر أكثر مما فعله محمد علي ؟!!! فضحكت بدلاً من الإجابة…

وسرعان ما تفاقم الأمر، خاصة بعد محاولة اغتيال مبارك في بورسعيد، واحتدام الخلاف بي الجنزوري وجمال علنا في مبني محافظة بورسعيد وتجاوز جمال حدود اللياقة في حديثه مع الجنزوري وربما لم تكن الحادثة إلا قمه جبل الثلج بينما كانت هناك أسباب أخرى منها هجوم الجنزوري المتكرر علي رجل جمال الاول في الحكومة ،وزير المالية يوسف بطرس غالي، الذي كان يراه الجنزوري موظفًا لدى صندوق النقد، لا لدى الدولة. فاستبعده من الاجتماعات، واعتبره خصمًا مدسوسا، لا شريكًا في المعبد، وكان يصفه علنا بالعميل…

و القنبلة الاكبر، انفجرت حين رفض كمال الجنزوري إدراج اعتمادات مالية جديدة لـ رئاسة الجمهورية دون بيان تفصيلي بالمصروفات السابقة. وهو موقف صحيح فنيا وإداريا لكن ليس في زمن الفرعون!!
كما رفض الجنزوري بقاء عدد من الوزراء التركي محسوبين على السيدة الأولي سوزان مبارك.
مثل فاروق حسني و وزراء. الصحه والسكان والتعليم دكتور حسين بهاء الدين، فضلاً عن صراعه الدائم مع مثلث ، كمال الشاذلي، وصفوت الشريف ،ويوسف والي.

حين جاء وقت الاقاله او التكليف الجديد ،كنا نحضر خطاب الرئيس أمام الجلسة الافتتاحية المشتركة لمجلسي الشعب والشورى، وكان الكل يتوقع بقاء الجنزوري ،وخروج خصومه (إلا أنا )، فكانت المفاجأة للجميع، أنه خرج من السلطة خالي الوفاض… بلا تكريم، بلا وداع، كما يخرج الغريب من البيت الذي لم يعد له فيه موضع قدم.

وبرغم كل هذا التاريخ من التوتر والصدام، بقيت في نفسي مساحة إحترام حذر لرجلٍ نزيه اليد، دقيق الذاكرة، معتز بنفسه، فخور بذاكرته، يحفظ تفاصيل الموازنة كما يحفظ قصص الطفولة.

ولهذا، حين طلب منا كحزب غد الثورة البحث واقتراح أسماء لرئاسه حكومة إنقاذ، بعد الثورة، طرحنا اسمه، إلى جانب اسماء محمد البرادعي ومنصور حسن .لاختيار أحد الثلاثة.

وآخر لقاء بيننا ربما كان في مشيخة الأزهر، ضمن جلسات “وثيقة الأزهر”، وكانت كلمته هناك أشبه بمحاضرته الأخيرة… لرجلٌ يُنهي رحلته، لا بمنطق الساسة، بل بلغة الآباء الكهنة.

فكما كانت عادته – أفسد المضمون بالوسيلة.
لم يُصغِ يوما لاحد ، لم يفتح نافذة على الشارع، بل عاد بمنطق الكاهن إلى المجلس العسكري الذي أعاده للحكم، مؤمنًا أن الدولة تُدار من خلف الأبواب، لا من فوق منابر البرلمان والسياسية.

في ميزان التاريخ، ربما كان كمال الجنزوري أكثر حضورًا من عاطف صدقي، وأنظف يدًا من عبيد وأحمد نظيف، لكنه كان الكاهن الأشد استبدادًا في ثياب مدنية، في تاريخ مصر الحديث.

كاهنٌ في هيئة موظف، يرتدي بدلة رمادية، لكنه يُخفي تحتها كل درجات أللون الكاكي. لا يؤمن بالمخالف، ولا يطيق الناقد. فهو الكاهن الأكبر والخبير الاول والرجل الذي لا يرد له رأيا…

لزوما كان يسير باتجاه الاصطدم بـ مبارك، لا لأنه ديمقراطي، بل لأنه ظن أنه كاهن المعبد، ولا يجوز أن يتحول الي خادمه.
فكان الصدام بين الكاهن والفرعون… صراعًا مكتومًا، لكنه كان، في جوهره، صراعًا سريا على مقعد الفرعون.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى