مقالات وآراء

يوسف عبداللطيف يكتب: حينما كان الوفد صوت الحق والدولة تخشاه

تلاشت الأصوات التي كانت تهز العروش، وغاب ذلك الزمان الذي كان فيه حزب الوفد سيفًا مشرعًا للحق، لا يخشى في ذلك لومة لائم.

امتلك رجال الوفد شجاعة نادرة جعلت مؤسسات الدولة ورجالها يرتعدون عند ذكر أسمائهم، فهل بقي اليوم شيء من ذلك الإرث العظيم؟

يدافع الرجال الأحرار عن الحق بلا خوف، ويتقدمون الصفوف عندما يعم الظلم، وكانت مصر تعرف رجال الوفد، أولئك الذين لا يهادنون، لا ينكسرون، ولا يساومون.

كانت كلمتهم سيفًا مسلولًا في وجه الاستبداد، حتى إن مؤسسات الدولة ورجالها كانوا يرتعدون من مجرد المواجهة معهم، لأنهم كانوا صوت الأمة النابض، وضميرها الذي لا يُباع.

يُسقط التاريخ الأقنعة عن المتخاذلين، ويكشف المعادن الحقيقية لمن يحملون لواء الحرية .. وتراجع صوت المحامين، وذابت نقابة المحامين في وحل الصفقات والترضيات، وصار النقيب والمنتخبون مجرد ظل باهت لمن سبقهم، حيث لم يبقَ من إرث العظماء سوى الأسماء.

تجرأ الصغار على الكبار، وباتت كرامة المحامي عُرضة للإهانة في أقسام الشرطة والمحاكم، لأن النقابة تخلت عن دورها الأصيل.

يتساءل الأحرار اليوم: أين حزب الوفد؟ وأين المحامون الذين كانوا يتحدثون باسم الوطن دون خوف؟ كيف انطفأت جذوة النضال؟ كيف أصبحنا نشهد زمانًا يُهان فيه المحامي دون أن يجد من يدافع عنه؟ كيف تحول النقيب إلى موظف، ومجلس النقابة إلى لجنة مصالح متبادلة؟

يشتعل القلب حزنًا على أيام كان فيها حزب الوفد حصنًا حصينًا، وكانت قراراته تُرعب الحكومات .. فقد ثار المحامون قديمًا على كل محاولات التدجين والترويض، وقادوا معارك قانونية وسياسية أرست قيم الاستقلال والكرامة.

لم يكن أحمد الخواجة، نقيب المحامين الأسبق، مجرد إداري يشغل منصبًا، بل كان مقاتلًا لا يلين، وقف في وجه السلطة عندما حاولت العبث بالنقابة، وانتصر في معركته ضد السادات عندما أراد تقييدها.

فلم يكن للمحامي أن يُعتقل دون أن تهتز مصر، ولم يكن يمكن تمرير قانون يمس العدالة دون أن يكون لنقابة المحامين رأيها الواضح والصريح.

كان أحمد الخواجة نموذجًا يُحتذى، وكان فؤاد سراج الدين زعيمًا لا يُشترى، وكان المحامون أسودًا حقيقية لا ترضى أن تكون مجرد أتباع.

يتذكر التاريخ كيف وقف الخواجة في وجه السلطة، رافضًا التدجين أو الخنوع، وكيف أعلن الإضراب العام تضامنًا مع زملائه المعتقلين، وكيف انتزع حقوق المحامين من فك النظام بصلابة وعزم.

لم يكن يخشى بطش رئيس، ولم يكن يقبل بالحلول الوسط، فأجبر النظام على التراجع .. لم تكن معركته الوحيدة، بل قاد جبهة وطنية داخل النقابة تصدت لمحاولات التطبيع مع الكيان الصهيوني، وواجه مشاريع تهدد استقلال القضاء..

يعرف الجميع أن قوة المحامين كانت في وحدتهم، لكنهم سمحوا لأنفسهم بالانقسام، سمحوا للفرقة أن تسري في جسد النقابة، فانهارت الهيبة، وسقطت الكرامة، وصار المحامي مطية لمن يريد أن يستخدمه.

هل هذا هو المصير الذي يرتضيه المحامون لأنفسهم؟ هل يقبلون أن يكونوا مجرد أدوات تُستخدم وقت الحاجة ثم تُرمى جانبًا؟

يستعيد البعض الماضي بنوع من الحنين، لكنه ليس الحنين العاجز، بل الحنين الذي يحمل في طياته ثورة، الحنين الذي يسأل: متى نعود كما كنا؟ متى تستعيد المحاماة مجدها؟ متى تعود النقابة لتكون صوت الأمة، وحصن العدالة؟

يراهن بعض السذج على أن المحامين قد ماتوا سياسيًا، لكن التاريخ يُكذب ذلك، فالمهنة التي أنجبت زعماء مثل سعد زغلول، ومكرم عبيد، وأحمد الخواجة، لا يمكن أن تموت.

قد تخفت الأصوات قليلًا، وقد يتوارى البعض خوفًا، لكن بركان الغضب لا يموت، والنار التي تحت الرماد لا تنطفئ.

تدعو الضرورة اليوم إلى أن يستعيد المحامون مكانتهم، أن يختاروا نقيبًا يعرف معنى النضال، لا أن يكون تابعًا ذليلًا، وأن يكون مجلس النقابة صوتًا حرًا، لا لجنة مصالح مرتبطة بالسلطة.

لا بد من مواجهة كل من أهان المحاماة، كل من حوّلها إلى مجرد مهنة لكسب العيش، دون شرف، دون كرامة، ودون مبادئ.

يستهين البعض بأهمية نقابة المحامين، وينسى أن من رحمها خرجت أكبر المعارك السياسية، وأقوى المواجهات مع الأنظمة الفاسدة، وأنها كانت دائمًا حجر العثرة في وجه من أرادوا كسر هذا الشعب. فهل يسمح المحامون اليوم بأن تصبح نقابتهم مجرد ديكور؟

ينظر المحامون إلى تاريخهم اليوم بحسرة، لكن الحسرة وحدها لا تصنع التغيير .. المطلوب هو الفعل، الحراك، الثورة على كل من استباحوا المهنة وأهانوا تاريخها.

القوة كانت في الوحدة، ولا يزال هذا هو السبيل الوحيد لاستعادة المجد المفقود .. فهل يستجيب المحامون لنداء التاريخ؟ أم يرضون بالهوان؟

تطلب اللحظة الراهنة إعادة بناء النقابة على أسس الكرامة والاستقلال .. لا يمكن السكوت على هذا الانحدار، ولا بد من صحوة تعيد للمحامين هيبتهم المفقودة. لم يكن الوفد يومًا حزبًا للمتخاذلين، ولن تعود النقابة عظيمة إلا إذا استعاد المحامون روحهم الوطنية.

احتاجت مصر في الماضي إلى رجالٍ مثل سعد زغلول، وفؤاد سراج الدين، وأحمد الخواجة، الذين رفعوا راية الكرامة والمواجهة.

واليوم، تحتاج إلى رجالٍ لا يخشون المواجهة، ويعيدون لحزب الوفد ولنقابة المحامين الصوت الحر. فهل بقي بيننا من يحمل هذا الإرث؟ أم أن الوفد ونقابة المحامين سيبقيان أسيرَي الماضي بلا مستقبل؟

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى