شباك نورمقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: ورقة من مذكراتي..الصراع على رئاسة مصر.. طنطاوي ظل مبارك الباهت


ليست كل الفواصل في التاريخ تُكتب بالحبر، فبعضها يُرسم بالتردد، وليس كل من أمسك زمام السلطة، كان أهلًا لامتطاء جوادها، ولا كل من حمل النياشين، استحق ممارسة الحكم محمد حسين طنطاوي، الذي وُلد في أكتوبر 1935، وأولاه مبارك وزارة الدفاع عام 1991، لم يكن طامحًا للرئاسة، ولم تكن شهيته مفتوحة على مائدة السلطة. لكنه، ككثيرين في تاريخ مصر، وجد نفسه فجأة على قمتها – لا قائدًا – بل منقادًا لمشهد لم يكن مؤهلًا له.

كنت أراه كظلّ الدولة، لا جسدها… كصدى خافت للمشير أبو غزالة، لا امتدادًا لجسارته أو رؤيته. جنديًا مطيعًا في سلاح المشاة، لا يسبق قادته بخطوة، ولا يتأخر عن نداء الواجب.

حين سقط مبارك، وتزلزلت الأرض تحت أقدام الجميع، لم تقدم الثورة بديلاً حاضرًا، ولم يكن في المشهد إلا الجيش… وعلى رأسه طنطاوي. جلس على مقعد الرجل الأول، لا بوصفه رئيسًا، بل بوصفه “اللا أحد غيره”… كأن سيفًا ثقيلاً وضع في يدٍ ترتجف، تخشى أن تشهره، وتخشى أن تسقطه.

في تاريخ مصر الحديث، ومنذ صباح 23 يوليو 1952، لم يكن الجيش لاعبًا ثانويًا في معادلة السلطة، بل كان هو المعادلة ذاتها. أطاح بالملكية، وراوغ الديمقراطية، وتنازع مع الفكرة المدنية كما يتنازع السيف مع القلم.

في مارس 1954، انقلب الجيش أو جناحه الغالب – على ما زعمه في لحظة صدق: “لن نحكم، فقط نهيئ الطريق لحكم مدني”. في تلك اللحظة، دُفنت الديمقراطية تحت بيادات العسكر، وأُقصي #محمد_نجيب، الذي حاول رد الأمانة إلى الشعب.

منذ ذلك التاريخ، لم يترك الجيش الساحة… لا حارسًا ولا حَكمًا، بل طرفًا مباشرًا في الصراع. وكان طنطاوي ابنًا لجناح الزاهدين في الحكم، لا من أسسه.

لم يكن عبد الناصر، ولا السادات، ولا حتى مبارك… بل ظل باهت وقف عند حافة المسرح، دون أن يدخل تمامًا، ودون أن يغادره.

في الفراغ الذي أعقب تنحي مبارك، بدا المشهد كما لو أن الماضي استدعى نفسه من أرشيف الثورة. المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بتركيبته، بدا استنساخًا باهتًا لمجلس قيادة ثورة يوليو.

لم يحكم طنطاوي، بل أدار… أدار الأزمة لا الدولة، والوقت لا القرار. لم تكن لديه شهوة حكم، ولا مشروع، ولا خيال. ترك الساحة السياسية تصرخ بلا أذن تسمع، وظن أن الزمن كفيل بإطفاء النيران، وأن الصمت درع لا يخترقه سهم.

كنت أراه أحيانًا عن قرب، في لقاءات مغلقة أو مفتوحة. رجل يُجيد الإنصات، لكنه لا يسمع… يُكثر من هز الرأس، ويقلّ من الفهم. صامت وكأنه حكيم الحكماء، صابر كأيوب، لكن إذا تكلم قلت: ليته ظل صامتًا.

كان يخشى أن يُقال عنه إنه طامع، ويخشى أكثر أن يُقال إنه فرّط. فتجمد في المنتصف… بين الرغبة والرهبة.

وحين جاءت لحظة القرار – انتخابات، انتقال، دستور – بدت كل الاحتمالات ممكنة، ما عدا التوفيق.

لضعف قدراته السياسية، عادت الدولة العميقة، لا لأنها الأقوى من الثورة، بل لأن الساحة تُركت بلا حُكم. عادت لترتب أوراقها، لا بشرعية، بل بفضل تردد الآخرين.

إحدى الوقائع التي عرفته فيها عن قرب كانت استجوابًا في مجلس الشعب في التسعينات، حول وزارة الإسكان. بدا أن النائب كمال أحمد أثار حفيظة طنطاوي، رغم أنه لم يكن طرفًا فيه. فوجئت به يتجه نحو كمال أحمد بنية الاشتباك بالأيدي، في مشهد عبثي كشف عن انفعال غريب.

في واقعة أخرى، عقب اقتحام أمن الدولة بعد الثورة، علمت باحتجاز الزميلة بثينة كامل. توجهت لمكتب اللواء حسن الرويني، وهناك وجدت طنطاوي. وبعد مفاوضة غير مباشرة، تم حل الأمر. لكن في لحظة الوداع، باغتني طنطاوي بعبارة: “لن ننسى لك ما فعلته مع مبارك، أنت والبرادعي وحركة6أبريل.” كانت صادمة، بلا سياق، وتركتني في ذهول.

في لقاء آخر، سألني طنطاوي ثلاث مرات، بفاصل دقائق: “هل أنت خال حازم صلاح أبو إسماعيل؟”، وكررت له في كل مرة أنني لست كذلك، لكنه ظل يعيد السؤال كمن يختبر الذاكرة أو المنطق أو شيء لا يُفهم.

وفي أحد الاجتماعات، وصلت متأخرًا، فبادرني من قبل أن أجلس: “مش أنت بتاع الحلول الوسط؟ طيب قل لي حل الموضوع ده!”… ولم أكن أعلم أصل الموضوع.

وفي اجتماع دام ساعتين ونصف، لم ينطق بكلمة. وفي الدقيقة الأخيرة، قال: “يصدق في هذا الاجتماع قول الشاعر الجاهلي…” وتلا أبياتًا لا صلة لها بشيء!

طنطاوي لم يطمع في الرئاسة، لكنه أدارها بأسوأ ما تُدار به. لم يكن طاغية، لكنه لم يكن رجل انتقال ديمقراطي. مارس الرئاسة لا بطموح، بل بخوف المترددين. لتبقى مصر عالقة بين الثورة والثورة المضادة، بين اليقين والشك.

لم يكن طاغية، بل حارسًا عجوزًا وقف طويلًا أمام بوابة مصر، دون أن يدري لمن يفتح، ولا من يمنع من الدخول.

عرفته عن قرب، لا في الواجهة بل في الأروقة،
رجل قليل الكلام، كثير التحفظ، لا يُبادر، ولا يحسم، بل يُدير المشهد بأقل قدر من الاحتكاك.
لم يكن يثق في المدنيين، ولا في الإسلاميين، ولا حتى في من حوله من الجنرالات،
كنا في اجتماع مع المجلس لمناقشة اختيار اعضاء الجمعية التاسيسية.
وتحدث اللواء ممدوح شاهين ولم يكن موفقا في حديثه من الناحية القانونية او السياسية ودفعني هذا لتفنيد رأيه فهاج المشير علي اللواء شاهين ليس لضعف وتهافت وجهه نظره بل لانه لم يحصل على اذن مسبق من المشير بالكلام!!
كانت اللحظة حرجة، والوطن يتقلب بين شوارع غاضبة وميادين لا تهدأ، بينما طنطاوي بدا كأنه يُدير “غرفة انتظار” لا “مرحلة انتقال”.
فترك مؤسسات الدولة العميقة تعيد تموضعها، بهدوء الزواحف التي تعرف كيف تعود إلى صخورها حين تهدأ العاصفة.

في عهده، ارتُكبت أخطاء جسيمة:

أحداث ماسبيرو، حين دهست المدرعات أجساد الأقباط، وتركت الدولة تبرر القتل بـ”الأيدي الخفية”.
محمد محمود، حيث أُريقت الدماء بلا محاسبة، والعيون بلا عدالة.
مجازر العباسية، وبور سعيد، وغيرها من محطات العجز المزمن.
كلها كانت تؤشر إلى أن رجل العسكر لا يصلح لإدارة مرحلة مدنية.
سُئل طنطاوي مرارًا: هل تنوي الترشح للرئاسة؟
فكان يردّ بابتسامة باهتة، وكلمات رمادية، مرتبكة ككثير من مواقفه مثال ذلك:-
يُقرّ قانون العزل، ثم يتراجع عنه، يفتح الباب أمام شفيق، و يُغلقه في وجه عمر سليمان .
يقر قرار عبدالمجيدمحمود بضبط وإحضار
سوزان مبارك ثم يلغيه في نفس اليوم!!
يصدر قرار جمهوري باسقاط الحكم الصادر ضدي في عهد مبارك وكل ما يترتب عليه من أثار وأخصها خوض الانتخابات الرئاسية القادمة وعندما أتقدم يطلب من لجنة الانتخابات الرئاسية 2012منعي من الترشح بسبب الحكم الذي هو من ألغاه!!

حين صدر قرار إقالته من الرئيس محمد مرسي، في 12 أغسطس 2012، خرج طنطاوي دون احتجاج، كما دخل دون ترحيب.
غادر المشهد كما جاء إليه… بلا صوت، ولا طعم ولا رائحة.
طنطاوي لم يكن مشروع حاكم، بل مشروع باهت متردد..يُشبه في ذلك “الوصي” على العرش في الممالك القديمة،
الذي يملأ الفراغ مؤقتًا، حتى يقرر الزمن مَن يستحق التاج.
في أوراق الصراع على رئاسة مصر، سيبقى طنطاوي سطرًا بين قوسين…
فاصلًا زمنياً، لا سياسيًا.
صفحة لم تُطوَ، لأنها لم تُكتب أصلًا.!!
في أوراق الصراع على رئاسة مصر، كان طنطاوي فاصلة لا جملة… مرحلة انتقال بلا إرادة، ورجل أمسك السلطة كما يُمسك جمرة، يخشى أن تُحرقه، ويخشى أكثر أن تسقط من يديه.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى