“إسعاف 24”.. مشروع حكومي في سوق الدواء يثير مخاوف المنافسة والاحتكار

في خطوة أثارت جدلًا واسعًا، وسّعت الحكومة مؤخرًا نطاق خدماتها الدوائية من خلال إطلاق سلسلة صيدليات جديدة تحت اسم “إسعاف 24″، والتي بدأت بفرعين فقط في القاهرة والإسكندرية، لتصل اليوم إلى 29 فرعًا، مع خطة طموحة لافتتاح 200 صيدلية في جميع المحافظات بحلول عام 2027.
المشروع، الذي يُدار عبر الشركة المصرية لتجارة الأدوية التابعة لهيئة الشراء الموحد، أثار تساؤلات قانونية ومخاوف لدى الصيادلة والمراقبين حول عدالة المنافسة مع الصيدليات الخاصة، وإمكانية تحول الحكومة إلى محتكر لسوق الدواء.
خلفية قانونية مثيرة للجدل
تعود جذور القضية إلى عام 1962، حين مُنحت المؤسسة العامة للأدوية حق إنشاء الصيدليات دون ترخيص من وزارة الصحة، لكن هذا الاستثناء تم إلغاؤه عام 1976. ومع انتقال ملكية الشركة المصرية لتجارة الأدوية إلى هيئة الشراء الموحد في 2020، طُرحت تساؤلات قانونية بشأن شرعية هذا التوسع.
وفي أغسطس 2024، أصدرت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة فتوى تقضي بعدم أحقية الشركة في إنشاء صيدليات دون ترخيص، ما يجعل استمرار التوسع دون توضيحات رسمية من الجهات الرقابية موضع جدل قانوني.
توسع رغم الفتوى
رغم الفتوى، شهد عام 2024 افتتاح 13 صيدلية جديدة ضمن السلسلة، ليصل العدد إلى 26 بنهاية العام، في ظل صمت هيئة الدواء عن الرد على الأسئلة المتعلقة بملف التراخيص.
وتبرر الحكومة هذا التوسع بالحاجة إلى توفير الأدوية النادرة والمستوردة في مختلف المحافظات. وقال زكريا سعد، مدير عام صيدليات إسعاف 24:
“لا يمكن أن يسافر المواطنون مئات الكيلومترات للحصول على دواء، فجاء التوسع كضرورة لخدمة المواطنين”.
صيادلة: منافسة غير عادلة ومصير مجهول للسوق
واجهت السلسلة الحكومية انتقادات حادة من أصحاب الصيدليات الخاصة، الذين اعتبروا المشروع ضربًا لمبدأ تكافؤ الفرص. وأكد علي عوف، رئيس شعبة الدواء باتحاد الغرف التجارية، أن دخول الحكومة بهذا الشكل يضر بـ أكثر من 81 ألف صيدلية خاصة، وهو عدد يفوق حاجة السوق الفعلية.
أما محيي عبيد، نقيب الصيادلة السابق، فأوضح أن امتلاك الحكومة لأداة الاستيراد والتوزيع عبر هيئة الشراء الموحد، وامتلاكها لصيدليات تبيع مباشرة للمستهلك، يعني أن الصيدليات الخاصة ستواجه صعوبات في الحصول على الأدوية، وهو ما يضرب مبدأ السوق الحرة في مقتل.
المرضى بين الحيرة والحاجة
في ظل الجدل القانوني والاقتصادي، يبقى المواطن هو المتضرر الأكبر. آمال، سيدة سبعينية، تقول إن نجلها يصرف دواء نفسي من مستشفى الدمرداش منذ 30 عامًا، وفوجئت بإحالته إلى “صيدلية الإسعاف” للحصول عليه. أما إسماعيل، رجل ستيني من مرسى مطروح، فقد اضطر للسفر للقاهرة لشراء دواء بـ25 جنيهًا من “إسعاف 24″، بعد أن بلغ سعره في الصيدليات الخاصة ألف جنيه، على حد قوله. ماري، الستينية، تحكي عن رحلة شاقة للبحث عن علاج أعصاب غير متوفر في أي مكان قريب منها.
احتكار أم خدمة عامة؟
يشير مراقبون إلى أن “إسعاف 24” تحصل على خصومات تصل إلى 27% من شركات الدواء، لكنها تبيع بنفس الأسعار المعلنة للصيدليات الأخرى، ما يمنحها هامش ربح أكبر وقدرة على السيطرة على السوق.
ويحذر معارضو المشروع من أن منح الحكومة مستثمرين حق استخدام الاسم داخل المستشفيات الحكومية قد يحوّل “إسعاف 24” إلى ذراع احتكارية، ما يهدد وجود الصيدليات المجاورة.
مطالبات بضوابط وتشريعات
بالتزامن مع تصاعد الانتقادات، تقدم النائب كريم بدر بطلب إحاطة في مجلس النواب لمناقشة تداعيات المشروع، داعيًا إلى وضع ضوابط تضمن عدم الإضرار بالصيدليات الخاصة. في المقابل، تمضي الحكومة قدمًا في خطتها، مع الإعداد لإطلاق تطبيق “بالشفا” لتوسيع الوصول إلى الأدوية وتحديث منظومة الخدمة.
هل يكون “إسعاف 24” طوق نجاة للمرضى؟ أم أداة جديدة لاحتكار دوائي رسمي يُقصي الصيادلة ويخل بتوازن السوق؟ الإجابة ستكشفها الأيام القادمة.