شباك نور

د. أيمن نور يكتب: ورقة من مذكّراتي … الصراع على رئاسة مصر 4 … لغز عمر سليمان

ثمة رجالٌ، حين يُغادرون خشبة المسرح، يتركون وراءهم صمتًا أثقل من طبول الحرب… وربما كان عمر سليمان، أحد أولئك الذين اختارهم الغموض، ولم يختاروا شيئًا بأنفسهم.

عُرف عمر محمود سليمان، المولود في محافظة قنا عام 1936، كأحد أبرز جنرالات الظل في الدولة المصرية الحديثة.

تخرّج في الكلية الحربية عام 1954، وانضم بعدها إلى جهاز المخابرات الحربية، قبل أن يُكلّف لاحقًا برئاسة جهاز المخابرات العامة في عهد الرئيس حسني مبارك، عام 1993، وهو المنصب الذي احتفظ به لما يقرب من عقدين، ليصبح أكثر شخص تولى رئاسة الجهاز سرية ونفوذًا.

عرفته مصر كظلٍّ خلف ظلّ، لا يظهر إلا حين تغيب الشمس عن القصر الرئاسي، ولا يُحسُّ له صوتٌ إلا في اللحظات التي تهمس فيها الدولة العميقة بما لا يُقال على الملأ.

لم يكن وجهه مألوفًا للشارع، ولا اسمه مطروحًا بين طموحات السياسة، لكنه كان الرقم الأصعب في جدول السلطة. لم يتقدّم خطوة نحو الرئاسة، لكن الجميع تحركوا من حوله وكأنهم يخشون اقترابه منها.

التقيتُ الرجل مرةً واحدة، وجهاً لوجه. لم يكن لقاءً سياسيًا بالمعنى المباشر، بل جاء في سياق أزمة نشبت بيني وبين الدكتور كمال الجنزوري، على خلفية ملف مشروع حديد أسوان.

احتدت بيننا مكالمة تليفونية، دفعت الدكتور الجنزوري للاتصال بالرئيس مبارك، وللدكتور فتحي سرور في الوقت ذاته، شاكيًا مما اعتبره تجاوزًا.

بعدها تلقيت اتصالًا من المهندس محمد إبراهيم سليمان، وزير الإسكان والتعمير آنذاك، أبلغني فيه أن السيد عمر سليمان يرغب في لقائي بمكتبه في مقر المخابرات العامة

. دخلت ذلك المبنى للمرة الأولى، وربما الأخيرة.

كان اللقاء هادئًا، مباشرًا، خاليًا من التوتر. جلس الرجل في هدوء، يستمع أكثر مما يتحدث، وكأن له آذانًا متعددة تلتقط المعاني خلف الكلمات.

بدا حريصًا على حل الأزمة، وكان وسيطًا بيني وبين الجنزوري بتكليف مباشر من الرئيس مبارك، في محاولة لاحتواء المشكلة.

اقترح ترتيب لقاء بيننا في مجلس الوزراء، لتبادل العبارات الودية، وتصفية الأجواء. غير أن اللقاء لم يتم، بهذه الطريقة الودية

ربما لتشدد الجنزوري، وربما لإصراره على أنني أغلقت الهاتف في وجهه، وهو ما لم يحدث.

خرجت من مكتب عمر سليمان بثلاثة انطباعات: الأول، أن الرجل يُجيد الإصغاء والإنصاف أكثر من إجادته للحديث والظهور.

الثاني، أن مكتبه حمل فرشًا بلون غريب عن طابع المؤسسة… لون أقرب إلى “البنبي”، لون لا يُستخدم عادة في دهاليز السلطة القاتمة.

أما الانطباع الثالث، فكان في ملامحه؛ إذ رأيت فيه شيئًا من وجه الرئيس السادات، وإن لم أُكوِّن بعدُ تصورًا كاملًا عن الرجل.

كان هناك لقاء آخر مقترح بعد ثورة يناير، دعيت إليه ضمن عدد من القوى السياسية، لكنه لم يتم من ناحيتي، بعدما آثرت الاعتذار عن حضوره.

في يناير 2011، كانت الدولة تتفسخ في عروقها، والثورة تمضغ الهواء في ميادينها، والمستقبل يزحف بقدمين مرتجفتين… وفي خلفية المشهد، وقع أمر لم تُكتب له شهادة ميلاد رسمية: محاولة اغتيال لعمر سليمان.

محاولة، أو بالأدق رسالة دامغة، تقول إن أحدًا ما لم يعُد يرغب في وجوده.

لكن من كان هذا “الأحد”؟ أهو جمال مبارك، الذي رأى في عمر سليمان الجدار الذي يفصل بينه وبين التوريث؟ لا أظن…

أم هي المخابرات الحربية، التي قررت أن لحظة التحوّل تقتضي التخلص من “الرجل الأمريكي”؟ لا أعرف…

أم هو المشير طنطاوي، الذي رأى في سليمان خصمًا محتملًا على مائدة الجيش حين تتناثر أوراق الحكم؟ ربما…

لكن الشيء المؤكد أن الرجل كان يعلم، وكانوا يعلمون، أن صمته لم يكن حياديًا. وأنه لن يطول.

لم تكن العلاقة بين جمال مبارك وجهاز المخابرات العامة تحت رئاسة عمر سليمان علاقة مريحة أو متناغمة. كانت هناك رغبة صريحة من دوائر مشروع التوريث، في تقليص دور الجهاز، بل وتهميشه.

وفي عام 2009، زار جمال مبارك مقر الجهاز في خطوة قيل إنها استكشافية. طلب أن يرافقه عمر سليمان في هذه الزيارة، لكن الأخير رفض الحضور، في إشارة صامتة إلى رفضه لهذا التسلل الفجّ إلى مجال نفوذه.

كان هناك حديث في الكواليس عن نية لتعيين أنس الفقي خلفًا لسليمان، في واحدة من أكثر الخطط ارتباكًا وسذاجة.

كثيرون صدّقوا رواية الوفاة الهادئة، في مستشفى غامض، بمدينة لا نعرفها جيدًا. لكنني –وأنا الذي زاملت زمنهم، وشاهدت خيوط اللعبة من كواليسها– لم أبتلع تلك الرواية يومًا وللآن.

لماذا نُقلت جثته إلى الإمارات أولًا؟ لماذا نُشرت صور لجثمانه لم تُشبهه؟ هل كانت الجثة حقيقية؟ أم أن شيئًا من “فن التمويه السياسي” قد كُتب على آخر صفحات حياته؟

كل ما أستطيع الجزم به، أن عمر سليمان مات مقتولًا، سواء بالرصاص، أو بالسم، أو بالقرار. ربما لم يُكتب له أن يكون الرئيس، لكنه كان عقبة لا يمكن تجاوزها في طريق من أرادوا أن يحكموا مصر كوراثة، لا كاستحقاق.

كان سكينًا باردة، مغروسة في خاصرة مشروع جمال مبارك، وكان نفيه من المشهد –حيًا أو ميتًا– شرطًا من شروط التوريث… ولو مؤجلًا.

ما رأيته بأم عيني، أن النظام حين يشيخ، ينهش أطرافه بنفسه قبل أن يأكله الناس. وما عرفته من دروس السياسة، أن من يملك ملفات الدولة، لا يُسمح له بالمغادرة، إلا إلى القبر أو إلى الصمت الأبدي.

هكذا انتهى عمر سليمان. لكن اللغز لم ينتهِ. فالأسئلة التي خلفها، كانت أكثر من الإجابات التي سبقه بها الموت.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى