
تتصاعد الأحاديث عن سيناريو هجوم عسكري وشيك على إيران، كما رسمته تقارير إعلامية عبرية، مثل تلك التي نشرتها “القناة 14”، لتضع العالم أمام احتمال مواجهة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية. التقرير يتحدث عن ضربة قد تدمر المشروع النووي الإيراني، وتهز الحرس الثوري، وربما تفتح الباب لتغيير نظام الحكم في طهران. لكن، كما هو الحال دائمًا مع الحروب، يمكن للمرء أن يشعل الفتيل، لكن من المستحيل التنبؤ بكيفية احتراقه أو متى ينطفئ.
حرب بلا أفق واضح
السيناريو المطروح يبدو واضحًا في بداياته: تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تدريبات مكثفة للجيش الإسرائيلي، وخيارات تنفيذ الهجوم سواء من الولايات المتحدة أو إسرائيل أو بشكل مشترك. لكن ما يلي ذلك يغرق في مستنقع من الغموض. إيران، بترسانتها الصاروخية الضخمة التي تضم صواريخ “شهاب” و”خيبر”، وطائرات “شاهد” المسيّرة، لن تقف مكتوفة الأيدي. رد فعلها المتوقع، كما أشار التقرير، قد يضع الدفاعات الجوية الإسرائيلية أمام اختبار غير مسبوق، بينما تواجه الجبهة الداخلية هجومًا قد يمتد لأيام أو أسابيع، محملًا بخسائر فادحة.
لكن التداعيات لا تقتصر على إسرائيل وإيران. الحرب، إن اندلعت، لن تكون مجرد ضربة جوية خاطفة. إنها قد تتحول إلى صراع طويل الأمد، تشارك فيه أطراف إقليمية ودولية متعددة. إيران تمتلك حلفاء معروفين مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، فضلاً عن احتمال وجود خلايا نائمة قد تنشط في الخفاء. هذا دون الحديث عن نقاط الضعف الأمريكية في المنطقة، مثل القواعد العسكرية في العراق وسوريا، التي قد تصبح أهدافًا مشروعة للرد الإيراني.
البُعد الدولي.. هل يتحول التصعيد إلى حرب عالمية مصغرة؟
الأبعاد الدولية تضيف طبقة أخرى من التعقيد. روسيا والصين، اللتان تربطهما علاقات استراتيجية بطهران، قد لا تقفان متفرجتين إذا ما تعرضت إيران لضربة وجودية. في المقابل، الولايات المتحدة وحلفاؤها قد يجدون أنفسهم في مواجهة مفتوحة تتجاوز الحدود الإيرانية، وربما تشمل البحر الأحمر أو الخليج العربي، حيث تتداخل المصالح البحرية والنفطية.
من ناحية أخرى، هناك من يطرح احتمال خضوع إيران لشروط ترامب، وهو سيناريو يبدو بعيد المنال في ظل المؤشرات الحالية. لكن حتى لو حدث، فإن تداعياته على المنطقة العربية لن تكون أقل خطورة. إضعاف إيران قد يعزز نفوذ قوى أخرى، أو يخلق فراغًا يملأه الفوضى والتطرف، وهي نتائج تستحق نقاشًا منفصلاً.
ماذا لو امتلكت طهران السلاح النووي؟
وسط كل هذا التصعيد، يبرز تساؤل خطير: ماذا لو امتلكت إيران سلاحًا نوويًا قبل أو أثناء الحرب؟ السيناريو الذي يبدو كابوسيًا بالنسبة للغرب وإسرائيل قد يغير قواعد اللعبة تمامًا. امتلاك إيران للسلاح النووي سيجعل أي هجوم عليها محفوفًا بالمخاطر غير المحسوبة، وقد يدفعها لتوجيه تهديدات صريحة باستخدام هذا السلاح، سواء ضد إسرائيل أو القواعد الأمريكية في المنطقة.
في المقابل، فإن مجرد اقتراب إيران من العتبة النووية قد يدفع إسرائيل إلى خيار “الضربة الاستباقية”، وهو ما قد يؤدي إلى حرب إقليمية كبرى. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل ستسمح القوى الكبرى، مثل روسيا والصين، بحدوث ذلك؟ وهل ستكون الولايات المتحدة مستعدة للمخاطرة بمواجهة نووية غير مضمونة العواقب؟
الحروب تبدأ بقرار.. لكن متى وكيف تنتهي؟
في النهاية، الحرب ليست لعبة شطرنج يمكن التحكم في كل خطوة فيها. يمكن للقادة أن يقرروا متى تبدأ، لكن نهايتها ومسارها يظلان خارج السيطرة. التاريخ يعلمنا أن الحروب غالبًا ما تتجاوز توقعات صانعيها: الحرب العالمية الأولى بدأت بحادثة اغتيال وانتهت بملايين القتلى، والغزو الأمريكي للعراق في 2003 أشعل فتيلًا لا يزال يحترق حتى اليوم.
هجوم على إيران قد يكون الشرارة التالية، لكن ألسنة اللهب قد تمتد لتحرق الجميع، دون أن يعرف أحد متى أو كيف تنطفئ. والسؤال الذي يظل بلا إجابة: من الذي سيمتلك القدرة على إطفاء الحريق إذا ما اشتعل؟