العالم العربي

هل تكون أرض الصومال خطة ترامب البديلة لتهجير أهل غزة؟

نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن وزير خارجية إقليم أرض الصومال، عبد الرحمن طاهر آدم، أن كيان “أرض الصومال لا يستبعد استيعاب تهجير سكان غزة مقابل الاعتراف باستقلاله عن الصومال، وأنهم منفتحون على مناقشة أي مسألة بشرط إنشاء الدول المعنية علاقات مع بلاده وفتحها لبعثات دبلوماسية في هرجيسا.

وجاء تصريح آدم بعدما كشفت وكالة أسوشيتيد برس الأمريكية أن مسؤولين إسرائيليين بقيادة وزير الشؤون الاستراتيجية، رون ديرمر، وأمريكيين استطلعوا آراء حكومات الصومال والسودان وأرض الصومال، وهي أخبار أكدتها لاحقا صحيفة فاينانشيال تايمز. وقد طرحت واشنطن ضمن النقاشات صفقة للاعتراف باستقلال أرض الصومال والموافقة على إنشاء قاعدة عسكرية إثيوبية قرب ميناء بربرة مقابل قبول تهجير سكان غزة لأرض الصومال.

من المرجح أن تتضمن سياسة ترامب مزيدا من النأي بالنفس عن أفريقيا. إذ يدرس البنتاجون إعادة دمج القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “أفريقوم” ضمن القيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا بهدف تقليص النفقات، كما سيؤدي قرار وزير الخارجية الأمريكي بإلغاء 83% من أنشطة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إلى تراجع الحضور الأمريكي المدني في القارة السمراء. وعلى الرغم من أن القارة الأفريقية ساحة تنافس مع الصين، إلا أنها تتخذ طابعا اقتصاديا وليس جيوسياسيا واسعا. وقد ظلت واشنطن لعقود تعتبرها ساحة ثانوية، حتى إن زيارة بايدن إلى أنجولا العام الماضي كانت أول زيارة لرئيس أمريكي إلى إفريقيا منذ 2015.

ضمن هذا السياق تأتي مراجعة واشنطن سياستها تجاه الصومال، إذ ترتفع داخل إدارة ترامب أصوات تعتبر أن نهج دعم حكومة مركزية في الصومال أمرا غير واقعي بحجة أن الصومال مجتمع عشائري يصعب إخضاعه لحكم مركزي، ويقترحون بديلا يتمثل في العمل بشكل ثنائي مع الولايات الفيدرالية الصومالية دون التنسيق مع مقديشيو، مع إعطاء خصوصية للعمل المشترك مع أرض الصومال.

يدعو كتاب “تفويض القيادة الوعد المحافظ” الذي نشرته مؤسسة هيريتدج في عام 2023 ضمن “المشروع الرئاسي 2025” الذي أعدته للفائز بالانتخابات الأمريكية من مرشحي الحزب الجمهوري، إلى “الاعتراف بدولة أرض الصومال كتحوط ضد تدهور موقف واشنطن في جيبوتي”. وهو ما يرتبط فيما يبدو بالدروس المستفادة من اضطرار البنتاجون إلى سحب القوات الأمريكية من تشاد والنيجر عقب سلسلة الانقلابات العسكرية في منطقة الساحل. وبالتالي تتحوط واشنطن من حدوث تغييرات في جيبوتي يمكن أن تضر بتمركزها في القرن الأفريقي. أي إن هذه الخطوة لا ترتبط في الأساس بمسألة تهجير أهل غزة.

لا يمكن عزو التغير في الموقف الأمريكي تجاه الاعتراف بأرض الصومال بالتحوط من الأوضاع في جيبوتي فقط، فالحكومة الصومالية في مقديشو ترحب بوجود القوات الأمريكية، التي تشرف على تدريب قوات داناب “البرق” التابعة للجيش الصومالي المختصة بمكافحة الإرهاب، كما يستهدف الطيران الأمريكي حركة الشباب وفرع تنظيم الدولة الإسلامية في الصومال، وقد وقعت آخر الضربات في 1 فبراير/ شباط 2025 حين أمر ترامب بشن غارة جوية على عناصر تنظيم داعش في بونتلاند شمال شرق الصومال.

لذلك؛ من المرجح أن يكون الموقف الأمريكي تجاه الاعتراف بأرض الصومال مرتبطا أيضا بالشراكة الأمريكية مع “إسرائيل” والإمارات وإثيوبيا؛ فاستقلال أرض الصومال يتيح لهرجيسا الانخراط في اتفاقيات دفاعية رسمية مع تل أبيب وأديس أبابا، بحيث تحصل “إسرائيل” على مرتكز لتواجد عسكري بالقرب من مضيق باب المندب في مواجهة الحوثيين، مما يتيح لإسرائيل تكثيف نشاطها الاستخباري والأمني والعسكري بالمنطقة، كما يجعلها أكثر قدرة على إعاقة مسارات الإمداد البحري الإيراني للحوثيين.

فيما تسعى إثيوبيا لامتلاك منفذ بحري عبر ميناء بربرة التابع لأرض الصومال مما يحولها من دولة حبيسة إلى دولة بحرية لديها استقلال في التجارة عن جيبوتي، والتي تكلفها رسوما سنوية بقيمة 1.5 مليار دولار تدفعها أديس أبابا لجيبوتي، كما يتيح لإثيوبيا التواجد قرب البحر الأحمر مما يعزز موقفها مقابل مصر، ويتيح لها تهديد الملاحة في قناة السويس بجوار تحكمها في تدفق مياه النيل عبر سد النهضة.

أما الإمارات، فستستفيد من كونها مستثمرا رئيسيا في تطوير الممر اللوجستي بين أرض الصومال وإثيوبيا، إذ أشرفت شركات إماراتية على تطوير الطريق بين ميناء بربرة والأراضي الإثيوبية، فيما تولت شركة “موانئ دبي العالمية” منذ عام 2016 تطوير ميناء بربرة وإدارته لمدة ثلاثين عاما. وسيخدم تفتيت الصومال النفوذ الإماراتي في المنطقة التي تندرج ضمن استراتيجية أبوظبي لربط المراكز اللوجستية والبنية التحتية البحرية في الخليج العربي مع البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وأخيرا سيعزز من شراكات الإمارات مع إسرائيل، إذ تتسق رؤية أبوظبي مع تل أبيب بخصوص تهجير أهل غزة أو على الأقل إخراج قادة وعناصر المقاومة من القطاع ونزع سلاح غزة.

تشير هذه الخطوة إلى أن ترامب ما زال يتمسك بجدية بخطة تهجير سكان غزة، وأن رفض مصر والأردن لاستقبال السكان المهجرين لم ينتج عنه تغير الخطة وإنما البحث عن مواطن بديلة. وبينما ليس من المرجح أن تستجيب السودان أو الصومال لمثل هذه الخطة، فإن أرض الصومال من الممكن إغراؤها. 

لكنّ خيار تهجير أهل غزة مقابل الاعتراف بأرض الصومال لن يجلب الاستقرار لا للشرق الأوسط ولا للقرن الأفريقي، إنما سيؤدي لتفجر المزيد من الصراعات. لأن مصر ترى في منح إثيوبيا قاعدة بحرية قرب البحر الأحمر تهديدا لأمنها القومي، كما أن أي تواجد عسكري إسرائيلي محتمل في القرن الأفريقي يضيف المزيد من التهديد الأمني لمصر. وبينما لن ترحب إريتريا بوصول إثيوبيا للبحر الأحمر، فليس من المتوقع أن تقتنع مقديشو بقبول استقلال أرض الصومال، وهو ما يعني أن القرن الأفريقي سيكون بؤرة عدم استقرار مزمنة.

إن قرارات ترامب الداعمة لإسرائيل، والتي لا تراعي مصالح الأطراف الأخرى الإقليمية، يتوقع أن تسفر عن حدوث اضطرابات وصراعات تخالف توجه ترامب الذي يزعم حرصه على إنهاء الحروب. وبينما يعزز خصوم الولايات المتحدة نفوذهم في القرن الأفريقي، كما في مساعي للحصول على قاعدة بحرية في بورتسودان على البحر الأحمر، فإن خطط ترامب تضر أيضا بعلاقات الولايات المتحدة مع عدد من حلفائها وفي مقدمتهم مصر.

المصدر/ أسباب

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى