قصور الثقافة المصرية: مستنقع للفساد وتحولت إلى عشش مهجورة

تُعد قضايا الفساد وإهمال المؤسسات الثقافية من أهم القضايا التي تؤثر في المجتمعات، إذ ينعكس الفساد في القطاعات الثقافية على الهوية والتاريخ والتراث.
وفي مصر، يعكس واقع قصور الثقافة مدى الإهمال والتراجع الذي تعاني منه هذه المؤسسات.
ومن مبانٍ خاوية إلى مسارح متوقفة، تبدو العديد من قصور الثقافة وكأنها “عشش مهجورة” لا تؤدي دورها في نشر الثقافة والفنون.
وفي هذا السياق موقع “أخبار الغد” سيوضح تفاصيل قصور الثقافة في جميع محافظات مصر، مع تطرّق إلى آراء المواطنين والمختصين حول الفساد في هذا القطاع، ويُبرز كيفية تأثير ذلك على الهوية الوطنية والثقافة العامة في البلاد.
الواقع الثقافي المرير
قصور الثقافة: منارة المعرفة إلى مراكز للخمول
تأسست قصور الثقافة من أجل نشر الثقافة والفنون في المجتمع، ولكن اليوم، يبدو أن العديد من هذه المؤسسات تعاني من الإهمال والفساد.
فلم يعد الدور الذي أنشئت من أجله هذه المؤسسات قائمًا، إذ يتعرض الكثير منها للاغلاق أو لا يُستخدم بشكل فعّال.
قصور الثقافة في مصر، كان من المفترض أن تكون منابر للفكر والمعرفة، تتحول تدريجيًا إلى “عشش مهجورة”، تعاني من توقف الأنشطة وتهالك البنية التحتية، وتدني مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وموقع “أخبار الغد” يكشف عن فساد قصور الثقافة في مصر من خلال أصوات المواطنين والمختصين، ويرصد الواقع المؤلم لمباني ثقافية خاوية ومسارح متوقفة، في الوقت الذي يعاني فيه العاملون من نقص التأهيل والإهمال.
الفقر في الدعم الثقافي
على الرغم من أهمية الثقافة، وفي مشهد يعكس الإهمال الحكومي وفساد المسؤولين، أصبح نصيب الفرد من الدعم الثقافي في مصر لا يتجاوز 26 قرشًا،
وهو مبلغ هزيل لا يكفي حتى لتوفير كتاب واحد أو تنظيم فعالية واحدة مما يعكس بشكل فعّال تراجع الإمكانيات المخصصة لهذا القطاع.
وتتناقص الاستثمارات الثقافية تدريجيًا، مما يترك تأثيرًا سلبيًا على الفاعليات الثقافية والفنية.
قصور الثقافة بين الأمس واليوم
كانت قصور الثقافة في مصر في السابق تُعتبر حصونًا للفكر والمعرفة، حيث تجذب الشباب والكبار على حد سواء لحضور الفعاليات الثقافية والمسرحية والفنية. أما اليوم، فقد تحولت هذه المباني إلى “عشش مهجورة” بسبب توقف الأنشطة، وانعدام الصيانة، والفساد الإداري الذي ينخر في جسد المؤسسات الثقافية.
محمد علي (أحد المثقفين المهتمين بالشأن الثقافي): “كنت أحضر بشكل منتظم الفعاليات في قصر ثقافة المنصورة، وكانت تقام عروض مسرحية وأمسيات شعرية، لكن الآن القصر مغلق منذ أكثر من ثلاث سنوات ولا نعرف لماذا. يبدو أن الأمر مرتبط بسوء الإدارة والإهمال الحكومي”.
عائشة كامل (طالبة جامعية): “كنا نأمل أن نجد في قصور الثقافة منفذًا للتعلم والمعرفة، لكن الآن كل شيء متوقف. المباني خالية، والموظفون يجلسون بلا عمل”.
مبانٍ خاوية ومسارح متوقفة في كل محافظة
كل محافظة من محافظات مصر الـ 27 تحمل حكاية من الإهمال والفساد داخل قصور الثقافة. هنا نلقي الضوء على وضع بعض هذه القصور في بعض المحافظات.
سوهاج .. مبانٍ جديدة بدون أنشطة
في محافظة سوهاج، تم بناء قصر ثقافة جديد بتكلفة تصل إلى ملايين الجنيهات، لكنه يظل مغلقًا حتى اليوم بسبب “عدم اكتمال بعض الأعمال الفنية”، بحسب تصريحات المسؤولين.
محمود عبد الرحمن (ناشط اجتماعي): “نحن هنا في سوهاج نحتاج بشدة إلى أنشطة ثقافية للشباب، لكن للأسف القصر مغلق منذ بنائه. هذا فساد صريح”.
القاهرة .. العاصمة المتعبة توقف الأنشطة الثقافية وتدهور البنية التحتية
في قلب العاصمة المصرية، حيث كان يُفترض أن تكون قصور الثقافة نبراسًا للفكر والتنوير، نجد المباني خاوية من أي نشاط يذكر.
حيث تُعد القاهرة مركز الثقافة والفنون في مصر، ولكنها لا تخلو من مظاهر الفساد. ويقول “أ. م.”، موظف في أحد قصور الثقافة بالقاهرة: “نفسنا نعيد إحياء الفاعليات، لكن مظاهر الفساد والإدارة السيئة تجعل الأمور مربكة ومرهقة”.
سعاد إبراهيم (موظفة حكومية): “نحن بحاجة إلى هذه الأنشطة لأبنائنا، لا أستطيع أن أفهم لماذا كل هذا التوقف. يبدو أن الفساد وصل إلى حد عدم اكتراث المسؤولين بأهمية الثقافة”.
الجيزة .. جخنوت من الخمول
قصر ثقافة الجيزة يعكس نموذجاً آخر من الإهمال. وتقول مريم توفيق، مواطنة من الجيزة: “المسرح في قصر الثقافة مغلق منذ أكثر من عام. لا أحد يهتم”.
وتوقف المسرح الكبير بقصر ثقافة الجيزة عن العمل منذ أكثر من عام بسبب “الصيانة”، وهي صيانة لم تبدأ بعد. ويشكو المواطنون من عدم القدرة على الانخراط في الفعاليات الثقافية.
الإسكندرية .. التاريخ المهمل والمسرح المغلق منذ عقد
وفي الإسكندرية، ثاني أكبر مدن مصر، حيث تُعتبر الإسكندرية عاصمة الثقافة المصرية، لكن قصور الثقافة بها تعاني من التراجع. ويقول محسن شحاته، فنان من المدينة: “لا توجد أنشطة فنية جديدة. قصور الثقافة هنا أشبه بخرابات”.
ويعاني قصر ثقافة الأنفوشي من الإهمال المتواصل. والمسرح الرئيسي مغلق منذ عدة سنوات بحجة التطوير، لكنه لم يُفتح بعد.
أحمد حسن (فنان مسرحي): “لقد فقدنا الأمل في إعادة فتح هذا المسرح. نحتاج إلى مكان نستطيع فيه تقديم أعمالنا الفنية، لكن يبدو أن الأمر مستحيل في ظل هذه الإدارة الفاسدة”.
الدقهلية .. موروثات في طرق مسدودة
يتواجد في الدقهلية العديد من قصور الثقافة المغلقة أو المهجورة، حيث يكاد النشاط الثقافي يتلاشى تمامًا.
“دائمًا ما نحتاج إلى مشروعات تنموية لدعم الفنون والثقافة، لكن لا نجد ذلك”، تقول رشا حسن، فنانة تعيش في المنوفية.
إهمال وتحديات ثقافية في بقية المحافظات
الشرقية .. واقع مرير
تعاني الشرقية من حالة مشابهة، حيث تفتقر قصور الثقافة إلى التأهيل والدعم. يعبر علي حسن، ناشط ثقافي، قائلاً: “رقم الدعم يأتي في أسفل قائمة الأولويات. الثقافة تستحق أكثر من ذلك.”
المنوفية .. غياب الفاعلية
في المنوفية، تُعتبر قصور الثقافة بمثابة العبرة التي لم تُستفد منها. والأبواب مغلقة، والموظفون بحاجة إلى دورات تأهيلية.
ويُشير “م. ي.”، موظف في أحد قصور الثقافة بالمنوفية، قائلاً: “أتمنى أن يقوموا بتطويرنا، نحن بحاجة إلى التأهيل لنكون أكثر فعالية”.
الموظفون بين الحاجة إلى التأهيل والتهميش
إلى جانب المشاكل الهيكلية والإدارية، تعاني قصور الثقافة من مشكلة أخرى تتمثل في نقص تأهيل الموظفين العاملين بها. كثير من هؤلاء الموظفين لم يتلقوا التدريب اللازم لتقديم أنشطة ثقافية وفنية ذات قيمة.
أسماء محمد (موظفة بإحدى قصور الثقافة): “نحن بحاجة ماسة إلى التدريب والتأهيل. أغلبنا لم يحصل على أي نوع من التدريب منذ سنوات، وهذا يؤثر سلبًا على قدرتنا على تقديم فعاليات ثقافية ذات جودة”.
الأقاليم والموظفون المهملون
في العديد من المحافظات، لا يكاد الموظفون يعرفون كيف يمكنهم الاستفادة من الإمكانيات المتاحة لديهم. بعضهم يجلسون بلا عمل لساعات، بينما الآخرون يحاولون تنظيم فعاليات بشكل عشوائي ودون دعم.
“ح. ع.” (مدير قصر ثقافة في الصعيد): “نواجه مشاكل في تأهيل الموظفين. لا يوجد دعم كافٍ للتدريب، وبدون تأهيل لن نتمكن من تقديم أي خدمات ثقافية جيدة”.
فساد إداري ومالي يهدر المال العام
بالإضافة إلى الإهمال في تشغيل القصور وتأهيل الموظفين، يظهر فساد مالي واضح في عمليات الإنشاء والصيانة. ملايين الجنيهات تُنفق سنويًا على صيانة المباني، ولكن النتائج على الأرض تشير إلى العكس.
صفقات الصيانة الوهمية
في العديد من المحافظات، يتم الإعلان عن مشروعات صيانة للمباني، لكن هذه الصيانة تبقى وهمية. يتم صرف الأموال ولا يحدث أي تطوير حقيقي.
أيمن فؤاد (مهندس معماري): “قصر ثقافة البحيرة، تم الإعلان عن مشروع صيانة بقيمة 5 ملايين جنيه، لكن لم يتم تغيير شيء. الفساد واضح هنا، وهذا يُهدر المال العام”.
آراء المواطنين والمختصين حول سبل الإصلاح
تتزايد الدعوات لإصلاح هذه المنظومة المتهاوية، وسط مطالب جماهيرية متزايدة بضرورة وضع حد لهذا الإهمال والفساد. يطالب المواطنون والمثقفون بأن يتم الاهتمام بالقصور الثقافية وتفعيل دورها في المجتمع.
إعادة توزيع الدعم الثقافي
مع نصيب الفرد من الدعم الثقافي الذي يبلغ 26 قرشًا فقط، يطالب المختصون بإعادة النظر في طريقة توزيع الموارد. يجب أن يكون هناك توزيع عادل يضمن تقديم خدمات ثقافية جيدة للجميع.
الدكتور ياسر عبد الجليل (أستاذ الاقتصاد الثقافي): “من غير المعقول أن يكون نصيب الفرد من الدعم 26 قرشًا. هذا الرقم غير كافٍ على الإطلاق لتقديم أي خدمات حقيقية، ويجب إعادة النظر في توزيع الدعم”.
ضرورة الرقابة والمحاسبة
من الضروري أن يتم تشكيل لجان رقابية مستقلة للتحقيق في صفقات الصيانة والإنشاءات الوهمية. بدون رقابة حقيقية، سيستمر الفساد في استنزاف الموارد وإهدار المال العام.
محمود خليل (محامٍ): “يجب فتح ملفات الفساد ومحاسبة المسؤولين. المال العام يُهدر والفساد متفشٍ بشكل كبير، وهذا يحتاج إلى تدخل عاجل”.
آراء ورفض الفساد في المؤسسات الثقافية
رفض المجتمع المدني
تعتبر مجتمعنا المدني من المؤثرين في ابداء الآراء النقدية حول الوضع الحالي. يقول نبيل حسنين، ناشط ثقافي: “يجب الضغط على الحكومة لتطوير القوانين واللوائح التي تنظم العمل الثقافي. الفساد يجب أن يُعالج”.
آراء الأكاديميين والمثقفين
يتحدث محمد حافظ، أستاذ في الفنون، عن تلك الظاهرة، قائلاً: “يجب تشغيل الأذهان. نحن بحاجة إلى استثمار حقيقي في الثقافة، لأن الإهمال يُضعف الهوية الوطنية”.
الأنشطة والخدمات الثقافية الموجهة للمجتمع
التأهيل والتدريب
يجب على الدولة أن تُقدّم فرص التدريب للعاملين في قصور الثقافة، من أجل تحسين الأداء وتقديم خدمات ذات جودة.
تعزيز الفعاليات الثقافية
تحتاج القصص الثقافية إلى إعادة التفكير في الفعاليات، مثل تنظيم مهرجانات وثقافات موسمية لجذب المشاركين وزيادة الوعي.
الحل: خطوات لمواجهة الفساد
تفعيل الرقابة
لا بد من وجود رقابة فعالة تضمن عدم هدر الأموال. يجب أن تُحلّ لجنة مستقلة لمتابعة الأنشطة والمراكز الثقافية.
زيادة الميزانية
يتوجّب على الحكومة مراجعة الميزانية المخصصة للثقافة وضمان وصول الدعم لمستحقيه. يمثل تعزيز الثقافة حقًا من حقوق المواطنين.
دعوة للتغيير والإصلاح
تعيش مصر اليوم أزمة ثقافية حقيقية تتجاوز توقف الأنشطة والمسارح المغلقة. إنها أزمة فساد وإهمال تعكس تجاهلًا واضحًا لأهمية الثقافة في بناء مجتمع متقدم.
وقصور الثقافة التي كانت يومًا ما منارات للفكر أصبحت “عششًا مهجورة”، بينما يعاني المواطن من غياب الخدمات الثقافية الحقيقية.
إنه لمن الضروري أن يتحرك المسؤولون لوضع حد لهذا الإهمال، وأن يُعاد تأهيل الموظفين وتشغيل المباني المهجورة، وإلا سنشهد انهيارًا كاملًا لمنظومة الثقافة في مصر.
يجب أن نتحرك كجماعة واحدة من أجل إعادة الحياة إلى قصور الثقافة، واستعادة دورها كشعلة للمعرفة والفن، لأن الثقافة هي روح الشعب المصري وأساس هويته. لذا، يجب على كل منا العمل معًا في سبيل تحقيق أهداف أفضل لمستقبل الثقافة في بلادنا.