حوارات وتصريحاتملفات وتقارير

المخدرات: صناعة وتهريب سياسي في العراق .. قنبلة موقوتة تهدد أمن المجتمع

أصبح العراق اليوم في مواجهة غير مسبوقة مع خطر المخدرات، حيث لم تعد مجرد مواد مهربة عبر حدوده، بل أصبحت جزءًا من منظومة إنتاج وترويج داخلي.

مع تعقيد الأوضاع وتورط جهات سياسية واقتصادية، تقف البلاد على شفا أزمة مجتمعية خطيرة تهدد الأمن والاستقرار الأسري.

المخدرات في العراق .. من مجرد عبور إلى صناعة وتهريب سياسي

أكد حيدر القريشي، الناشط الحقوقي وأحد المهتمين بمكافحة المخدرات، أن العراق تحول في السنوات الأخيرة من مجرد بلد عبور للمخدرات إلى منتج ومصدر لها، مشيرا إلى أن هذا التحول يعكس تورط جماعات سياسية في التصنيع والترويج.

وأضاف أن الأرقام الرسمية التي تعلنها وزارة الداخلية تدل على مدى تعقيد المشكلة، حيث اعتقلت السلطات خلال العام الماضي مئات المتورطين، وصادرت أطنانًا من المخدرات.

وأوضح القريشي: “هذه الأرقام هي دليل على تحول خطير، لا يمكن تجاهله، حيث كانت العراق سابقًا محطة عبور، لكنها الآن أصبحت جزءًا من منظومة تصنيع وتصدير المخدرات”. وأكد أن الجهود الأمنية مستمرة للتصدي لهذه الظاهرة المتفشية.

تهديد أمني وأسر مفككة

أشار الدكتور علي الساعدي، أستاذ علم الاجتماع في إحدي الجامعات، إلى أن انتشار المخدرات بات يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن المجتمعي والأسري في العراق.

وأوضح الساعدي: “ما نشهده من ارتفاع في معدلات الجريمة والتفكك الأسري مرتبط بشكل كبير بتزايد تعاطي المخدرات. الجرائم التي كانت نادرة سابقًا مثل زنا المحارم وجرائم القتل داخل الأسر أصبحت أكثر شيوعًا الآن”.

وأضاف الساعدي أن مواجهة هذا التهديد تتطلب تعاونًا مجتمعيًا وتفعيل حملات التوعية في المدارس والجامعات، إلى جانب تضافر الجهود الحكومية والأمنية لوقف انتشار هذه الآفة.

تجارة المخدرات .. العائدات السياسية

أوضح الخبير الاقتصادي قاسم الكعبي أن تجارة المخدرات أصبحت جزءًا من المنظومة الاقتصادية في العراق، حيث تُستخدم الأموال الضخمة التي يدرها هذا النشاط غير الشرعي لأغراض سياسية.

وأضاف: “هنالك تلازم بين تجارة المخدرات والسياسة في العراق، حيث تُستخدم العائدات في تمويل حملات انتخابية وشراء ولاءات سياسية”.

وأكد الكعبي أن محاربة تجارة المخدرات لا تتعلق فقط بالجهود الأمنية، بل يجب أن تتضمن أيضًا مكافحة الفساد السياسي والاقتصادي الذي يغذي هذه التجارة المدمرة.

معركة أمنية لا هوادة فيها

أشارت وزارة الداخلية، إلى أن الوزارة أطلقت حملة غير مسبوقة لمكافحة المخدرات خلال العامين الماضيين. وأضافت: “خلال عام 2024 وحده، تمكنا من اعتقال أكثر من 7 آلاف شخص متورط في تجارة المخدرات وضبط 6 أطنان من المواد المخدرة”.

وتوعدت: “سيكون العام الحالي الأشد قسوة على المتورطين في هذه الجرائم. لن نتهاون مع أي جهة تتورط في تهريب المخدرات أو تصنيعها، وسنتخذ إجراءات صارمة بحقهم، بما في ذلك الإعدام لمن يثبت تورطهم في تهريب كميات كبيرة”.

إصلاحات تشريعية لمكافحة المخدرات

أكد البرلمان العراقي، أن البرلمان يعمل على إجراء تعديلات مهمة في قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية رقم 50 لسنة 2017.

وأوضح: “نسعى لزيادة وسائل الردع القانونية وضمان رفع كفاءة الأجهزة الأمنية في تعقب الضالعين في تجارة المخدرات”.

وأضاف أن هذه التعديلات ستساهم في تعزيز القدرات المؤسسية لمكافحة المخدرات، من خلال تحويل مديرية مكافحة المخدرات إلى وكالة مستقلة ذات صلاحيات أوسع، ترتبط مباشرة بوزير الداخلية.

المخدرات وأثرها الاجتماعي

أوضحت الدكتورة زينب العطواني، الباحثة في الشؤون الاجتماعية، أن الآثار الاجتماعية لتعاطي المخدرات في العراق باتت واضحة بشكل كبير.

وقالت العطواني: “المخدرات ليست مجرد ظاهرة جريمة، بل هي أزمة اجتماعية تضرب في قلب المجتمع العراقي. الزيادة الملحوظة في حالات الطلاق والتفكك الأسري تعود في كثير من الأحيان إلى تعاطي أحد أفراد الأسرة للمخدرات”.

وأشارت العطواني إلى أن هناك حاجة ماسة لحملات توعية مجتمعية تهدف إلى تعليم الشباب مخاطر تعاطي المخدرات وأثرها المدمر على حياتهم الشخصية والاجتماعية.

المخدرات والسياسة .. اتهامات متبادلة

في تصريحات أدلى بها منتصف فبراير، وجه زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، اتهامات لأطراف من داخل وخارج الحكومة العراقية بالتورط في تفاقم تجارة المخدرات وانتشارها في البلاد.

وأشار الصدر إلى أن هذه الأطراف تستغل العائدات المالية الناتجة عن تجارة المخدرات لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي.

كما أكد وجود روابط بين بعض القوى السياسية وتجار المخدرات، حيث يتم حمايتهم لتحقيق مكاسب سياسية. ودعا الصدر إلى ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة لمحاسبة المتورطين وكشف الحقائق أمام الرأي العام.

تحديات الحدود العراقية

أوضح محمد العزاوي، الخبير الأمني، أن الحدود العراقية مع دول الجوار تشكل تحديًا كبيرًا في جهود مكافحة المخدرات.

وقال: “العراق يقع في منطقة تعتبر معبرًا رئيسيًا للمخدرات القادمة من أفغانستان وإيران، وصولًا إلى سوريا ولبنان. هذه الطرق التقليدية تهدد أمن العراق الداخلي وتزيد من تعقيد مهمة القوات الأمنية”.

وأضاف العزاوي أن هناك ضرورة لتعزيز التعاون الإقليمي وتبادل المعلومات الاستخبارية بين العراق والدول المجاورة، لمكافحة شبكات تهريب المخدرات بشكل فعال.

الشباب ضحايا .. وتأهيلهم هو الحل

أكدت الناشطة في حقوق الإنسان، هدى الحسيني، أن فئة الشباب هي الأكثر تضررًا من انتشار المخدرات في العراق.

وأوضحت الحسيني: “الشباب العراقيون هم الفئة المستهدفة من قبل تجار المخدرات، وهم الأكثر عرضة للتورط في التعاطي نتيجة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية”.

وشددت الحسيني على أهمية تعزيز برامج إعادة التأهيل وتوفير فرص عمل للشباب لتجنب انزلاقهم في دوامة المخدرات.

وقالت: “علينا أن نستثمر في المستقبل من خلال بناء جيل قادر على مقاومة هذه الآفة، ويجب أن تكون هناك برامج تأهيلية فعالة لضحايا المخدرات”.

نجاحات أمنية وتحديات مستمرة

أشارت مديرية مكافحة المخدرات، إلى أن الجهود الأمنية بدأت تؤتي ثمارها في العراق.

وأوضحت: “لقد حققنا نجاحات كبيرة خلال السنوات الأخيرة في توجيه ضربات قاسية لتجار المخدرات، والحد من انتشارها في بعض المناطق”.

وأضافت أن “الأمر لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا، ولكننا على الطريق الصحيح. العمليات الأمنية ستستمر بلا هوادة، ونتوقع المزيد من النجاحات في العام الجاري”.

تهريب عبر الحدود الإيرانية والسورية

أشار الخبير الأمني محمد التميمي إلى أن الحدود العراقية مع كل من إيران وسوريا تعتبر المصدر الرئيسي لتهريب المخدرات إلى العراق.

وأوضح التميمي: “الكريستال والكبتاغون هما الأكثر انتشارًا في العراق، ويتم تهريبهما عبر الحدود من إيران وسوريا، وهنا تكمن التحديات الأكبر”.

وأضاف التميمي أن هناك حاجة إلى زيادة الإجراءات الأمنية على الحدود وتطوير تقنيات رصد حديثة للحد من التهريب المستمر. “مهما كانت الجهود الأمنية قوية في الداخل، يجب أن تكون الحدود محكمة لوقف تدفق المخدرات”.

الحشيش والكريستال .. السموم الأكثر انتشارًا

أكدت إحصائيات مفوضية حقوق الإنسان في العراق أن أكثر أنواع المخدرات انتشارًا هي مادتا الحشيش والكريستال.

وأوضحت المفوضية في تقريرها الأخير أن هذه المواد تُهرب من إيران وسوريا، حيث أصبحت الحدود مفتوحة إلى حد كبير بسبب التوترات الأمنية في تلك المناطق.

وأشارت المفوضية إلى أن جهود مكافحة المخدرات يجب أن تركز على مناطق التهريب الرئيسية والعمل على قطع الإمدادات من المصدر. “الكريستال والكبتاغون يشكلان خطرًا صحيًا واجتماعيًا كبيرًا، ويجب مضاعفة الجهود لوقف تدفقهما”.

مكافحة المخدرات وجه آخر لمكافحة الفساد

أوضح الباحث السياسي، طارق الربيعي، أن مكافحة المخدرات في العراق مرتبطة بشكل وثيق بمكافحة الفساد.

وقال الربيعي: “تجارة المخدرات تُستخدم كوسيلة لتمويل الأنشطة غير القانونية، وهناك قوى فاسدة تستفيد من هذه التجارة لتعزيز سلطتها. القضاء على تجارة المخدرات يتطلب إصلاحات جذرية لمكافحة الفساد في البلاد”.

وأضاف الربيعي: “كلما تمكنا من تضييق الخناق على الفساد، كلما تمكنا من الحد من انتشار المخدرات، فالاثنان مرتبطان بشكل مباشر”.

بينما تواصل الأجهزة الأمنية جهودها المكثفة لمكافحة المخدرات وتضييق الخناق على تجارها، يبقى التحدي الأكبر في توحيد الجهود الحكومية والمجتمعية.

الحلول الأمنية وحدها لن تكون كافية دون تعزيز برامج التوعية وإعادة التأهيل، بهدف حماية مستقبل العراق وأجياله الشابة من هذه الآفة القاتلة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى